بسام طيبي و نقده للقومية العربية

436x328_2495_190705

لا بد أن بسام طيبي أحد أكثر النقاد المظلومين في عالمنا الناطق بالعربية اليوم, و يعود ذلك لدرجة ما إلى ما ينتقد عليه دائماً, أنه نادراً ما كتب بالعربية, هذا إن كتب بها أبداً. و لعلها الArabiblophobia “الخوف من المكتبة العربية”, التي تصدم عدداً المفكرين و القارئين بالعربية على حد سواء, فلم يرق محتوى المكتبة العربية السياسية الحديثة أبداً إلى أكثر من البروباغاندا أو الغوغائية و التفسيرات المبتذلة أو ما فُلتِرَ بشكل ثقيل عبر الرقابة الحكومية, مما يشجّع على تصدير الرأسمال الفكري الناطق بالعربية إلى لغة أخرى. و لربما هو غرور طيبي نفسه. على أية حال, لسنا هنا للحديث عن حالة بسام طيبي, بل عن فكره و مساهمته المتجسدة في كتابه المكتوب بالإنكليزية Arab Nationalism: A Critical Enquiry(1) “القومية العربية: مساءلة نقدية”

ولد بسام طيبي في دمشق 1944, و هاجر إلى ألمانيا الغربية سنة 1962 ليحصل على الجنسية في 1976, و تخرج في مجال العلوم السياسية و العلاقات الدولية من جامعتي هامبورغ و غوته في فرانكفورت تحت اشراف ماكس هوركهايمر و أدورنو رواد مدرسة فرانكفورت النقدية. و بنيله الدكتوراه بدأ يعمل في الأكاديميا, فحاضر في جامعات غوتينغن و هارفرد و كورنل و برينستون و بيركلي و ييل و الأمريكية في القاهرة و غيرها من الجامعات المرموقة. تركزت دراسته على الجاليات المهاجرة في الغرب و اندماجها, المسلمة منها خصيصاً, متتبعاً رحلة عدم الاندماج حتى تشكل “المجتمعات الموازية”, و قارن معها آراءه في التطرف(الإسلامي و الأوروبي على حد سواء). و صاغ اصطلاحات مثل “الإسلام الأوروبي” و “Leitkultur الثقافة المهيمنة/القائدة” محرّكاً نقاشاً فكرياً واسعاً في أوروبا لا زلنا نسمع أصداءه حتى اليوم. يزاوج في فكره بين ماركسيته—التي اعتنقها عقداً من الزمن قبل أن يتركها—و أرستقراطيته الشامية الملبرَنة, و تأثره بالفلسفة الأوروبية العلمانية, الألمانية تحديداً بحكم دراسته, مع أصوله الشامية السنّية المسلمة و الفلسفة الإسلامية. يعتبر لسانه لاذعاً في نقده للإسلاميين و أبناء بلده و ثقافتهم الدينية و السياسية, و تبين ذلك في الفترة الأخيرة ببعض “الشطحات” و التدقيقات اتجاه اللاجئين الحديثي العهد في أوروبا. بالرغم من هذا, لسنا بصدد آرائه الشخصية, بل نستعرض كتابه المهم عن القومية العربية المذكور أعلاه.

كان مشروع طيبي وراء هذا الكتاب, أن يتتبع الأصل الأيديولوجي الأوروبي الأول للفكر الوطني القومي العروبي, و ذلك باعتبار أن الوطنية مفهوم ولد في أوروبا و تم توريده إلى العالم العربي, و هو ما استغله الإسلاميون لاحقاً في نقدهم للدولة الوطنية. بدأ الفكر الوطني أو القومي بالظهور في بداية الأمر بأوروبا بعد الثورة الفرنسية في نهايات القرن الثامن عشر, و اتصفت المدرسة الوطنية الفرنسية بالليبرالية و احترام حقوق الفرد و العقلانية و حرية الاختيار, و لمع في بلورة هذه الأفكار الفيلسوف الفرنسي رينان. و بتوسع الثورة الفرنسية جغرافياً و عسكرياً, بدأت الحركات المضادة تنمو ضد الاحتلال الفرنسي, فكانت المدرسة المضادة, المدرسة القومية الألمانية, و هي مدرسة رومانسية تقوم على الاعتزاز بثقافة و شعب و أرض مسقط الرأس مهما كان هذا المسقط, و التسليم الميتافيزيقي بوجود قيمة و انتماء مقدس غير قائمٍ على الإرادة الحرة مع هذه العوامل البيئية الموروثة, في رابطة عمادها (المجتمع) لا الفرد أو الإرادة الفردية. و بالرغم من وضوح الرائحة الفاشية و النازية من المدرسة الألمانية, إلا أن طيبي ينصحنا بعدم التسرع بهذا الحكم, و يلفت نظرنا إلى طبيعة المؤثرات التي أدت إلى ولادة هذه الأيديولوجيا, و هي جهوزية المجتمع لهذا النوع من الحث الأيديولوجي, و الحاجة إلى أيديولوجيا قوية تستطيع مقاومة الاحتلال الفرنسي المدعوم بأيديولوجيا قوية و هي الكوزموبوليتالية الليبرالية. لمعت عدة أسماء في المدرسة الألمانية, مثل فيخته و هيردر, إلا أن طيبي, كما ذكرت, لا يعتبر فيخته و هيردر و أمثالهم “فاشيين” أو متعصبين, بل ينصحنا بمراعاة حالتهم و رؤيتهم من وجهات نظر متعددة, منها التحريرية , بل و الثورية أيضاً.

يتلقف طيبي الخيط الألماني, و يعزوه إلى المدرسة العروبية المعاصرة اليوم. و يركّز على نبي العروبة الأول, ساطع الحصري, أول عروبيٍ بنى على المدرسة الألمانية. و يحاول طيبي في دراسته أن يراعي التتالي التاريخي للأحداث, فكأنما يقسم الفكر العروبي إلى حقبتين, حقبة تبدأ بدخول نابليون مصر و تنتهي بالانتداب الغربي على المشرق العربي, و حقبة ثانية تبدأ بالانتداب و هي في نهايتها اليوم, حيث الشرعية العروبية تتفكك.

الحقبة الأولى:

تتصف الحقبة الأولى بلونها الفرنسي الليبرالي, و هي التي شهدت الصدمة الثقافية مع الجيش الفرنسي العظيم في مصر عام 1798, و بدأت معها رحلة محمد علي باشا و مغامرته في عصرنة مصر و إسقاط الخلافة العثمانية و إدخاله الفكر الوطني إلى المشرق. و بتوقف آل علي باشا عن فعاليتهم و خروجهم الفعلي عن المشرق العثماني, بقي للدولة العثمانية من العرب سوريا و لبنان. فحاولت الدولة العثمانية عصرنة بيروقراطيتها و علمنة حكومتها أملاً منها في مواجهة الجيوش الحديثة التي تحيط بها. فدخلت ما عرف بعصر التنظيمات, و حقبة المتصرفية المشهورة, و محاولاتٍ لدسترة السلطنة و تمثيل الشعب(كمجلس المبعوثان مثلاً), و لا مركزية الدولة, و دخلت معها المطبعة, و الصحافة, و البعثات التبشيرية. لم تكن هذه الاجراءات خياراً, بل ضرورة كي تستمر الحكومات العثمانية و المصرية بتواجدها و مقاومة الغزو الخارجي, و تبين لاحقاً أنها ذاتها التي أدّت إلى انهيارها.

أخذ الفكر الوطني ينمو بالتدريج في مكونات الدولة العثمانية, و لم تستطع الحكومة السيطرة حتى على العنصر التركي بها, ناهيك عن غيرها من العناصر. فأخذت الوطنية العربية بالظهور خصيصاً بين مسيحيي الساحل اللبناني, الذين كانوا على مثاقفة مباشرة مع الغرب, سواءاً عن طريق التبشيريات أو عن طريق التجارة. و قد احتاج المسيحيون العرب لهذا النوع من الأيديولوجيا لكي تخلصهم من مرتبتهم “الذميّة”, خصيصاً باختبارهم القصير للحرية و المساواة الدينية على يد محمد علي باشا. و بدأ الفكر الوطني العروبي ينتشر بخجل في بداية الأمر بين المسلمين السوريين, لكن, و بمرور الوقت, غلبت الأعداد المسلمة الأعداد المسيحية في ريادة الفكر الوطني. كان من روّاد المفكرين السوريين-اللبنانيين الذين ذكرهم طيبي في كتابه بطرس البستاني, و آل يازجي, و عبد الحميد الزهراوي.

لم يحاول الوطنيون آنذاك أن ينفصلوا عن الدولة العثمانية بالرغم من تغزلهم بفرنسا و بريطانيا, بل اعتنقوا نوعاً من “العثمانوية” التي سادت على أنها الحل الأمثل بين مكونات الدولة العثمانية, حيث يكون الولاء للدولة العثمانية على أن تُعطى المناطق العربية السورية استقلالية ثقافية و لامركزية في إدارة السلطة, و هذا ما تم الاتفاق عليه حقاً مع حكومة الاتحاد و الترقي العثمانية ذات الميول الطورانية. و بتصاعد الاحتكاك بين المكونات العثمانية المختلفة, و الاحتكاك مع الغرب خلال الحرب العالمية الأولى, تبين أن الاتفاق مجرد كسبٍ للوقت, و تم إلغاؤه عندما حانت الفرصة المناسبة, و أعدِمَ الوطنيون السوريون في السادس من أيار بساحات دمشق و بيروت.

و بخيبة الوطنيين من العثمانيين, اتجهت أنظارهم بسذاجة إلى ثورة الشريف حسين القادمة من بيئة مغايرة لم تتأثر بالعثمانية حقاً—و هو فخ لم يقع به الوطنيون الأوائل أمثال عبد الحميد الزهراوي— مسقطين أماثيلهم عليه. ثورةٌ فشلت أيما فشل, و ما كان لها أن تبلغ المنال الذي أراده الوطنيون حتى و لو نجحت. كانت ثورة سوداء مليئة بالميلودراما و قصص الخيانة, و لا يفتخر بها الكثير من السوريون إلى اليوم, سوى لربما حادثة ميسلون, و التي كانت معركة سوريّة أكثر من كونها معركة عربية. و بدخول الانتداب الفرنسي إلى سوريا و لبنان, خابت آمال الوطنيين أيضاً بهذه الدول المحتلة, موعزة بانهاء الفكر الوطني الليبرالي, و بدء البحث عن بدائل أيديولوجية أخرى.

الحقبة الثانية:

بإعدام الوطنيين الأوائل, و سيطرة الاحتلال, احتاج الفكر الوطني إلى نزعة تحررية نضالية جديدة تقاوم الـ”غرباء” و تعطي الاعتبار لأهل البلد. من هذه الحاجة, نبغ فكر ساطع الحصري. ولد ساطع بيك لعائلة حلبية ذات منصب رفيع أيام السلطة العثمانية, و انتسب في شبابه لجمعية الاتحاد و الترقي, و كان طورانياً, ثم انقلب إلى القومية العربية. خلال دراسته في أوروبا, تأثر بالفكر الألماني و آلية مقاومته للاحتلال الفرنسي, و دمج تأثره هذا مع الفكر العروبي و حالته المعاصرة آنذاك. و كان هو الحلقة الانتقالية بين الوطنية الليبرالية الفرنسية و القومية الـ”عُصابية”(2) الألمانية. و إن كانت ترجمة Nationalism إلى العربية تتحمل ترجمتان متشابهتان بالمعنى, “وطنية”, و “قومية”, فلربما كان الفكر العروبي الذي بدأ مع الحصري هو تحول الفرق البسيط من الوطنية نحو القومية.

أكّد الحصري على أن أساس ما يوحد شعباً ما هو اللغة, و تخيل مجتمعاً عربياً واحداً من المحيط إلى الخليج, كالذي ترسمه خريطة البعث اليوم, مستلهماً وحدة عظمى لدول متشتتة من الوحدة الألمانية على يد بيسمارك. تغزل الحصري بكل ما هو ألماني, و تحسس من كل ما هو فرنسي. ناصر ألمانيا النازية و الفكر الفاشي, و اعتنق الفكر الاشتراكي الوطني تباعاً معتبراً إياه شرطاً للعروبة, و دعم تحالف العروبيين مع دول المحور, فهلّل لانقلاب رشيد عالي الكيلاني في العراق. و كان على تقارب مع جمعية العهد السرية التي نشطت خلال الحقبة العثمانية, و هي جمعية مؤلفة من الضباط العرب المؤهلين على يد مدربين ألمان, و الذين لعبوا دوراً معتبراً في تقوية القومية العربية في حقبة ما بعد انهيار الدولة العثمانية.

لا يظهر لنا تأثر ساطع بالألمان عن طريق السياسة و حسب, بل نراه في سايكولوجيته أيضاً. فعلى خطى “فيخته”, لم يرضَ الحصري بأي منصب سياسي أو مهني سوى في التعليم, و حرص دائماً على نشر و تعميم التعليم القومي البروباغندوي أينما ذهب. و أورث الحصري هذه السنّة إلى كبار العروبيين مثل ميشيل عفلق.

يستعرض طيبي رد الحصري على الحركات التي عاصرته من إسلاموية و قومية سورية و فرعونية و ماركسية و غيرها. و لا يخجل طيبي هنا من لفت النظر إلى رداءة الأدبيات المنشورة عن التعبئة و الفكر السياسي في العالم العربي, و يصفها بالـ”سوقية” أو “المبتذلة”, فليس بالضرورة أن تكون رداءة نقد الحصري للماركسية سببها جهل الحصري أو كسله, بل لأن المحتوى العربي الماركسي و مثله المفكرين الماركسيين العرب دوماً ما كانوا ينشرون ماركسية “سوقية” بسيطة لا تعبّر عن الماركسية. و هكذا بالنسبة لغيرها من التيارات, كالعلموية الزائفة للحزب القومي الاجتماعي السوري. يتهم طيبي الطبقة الوسطى المفكّرة بالكسل—و هو ما أوافقه عليه— و عدم تفانيها في العمل على بناء هوية سياسية قوية منفتحة أمام النقد, و اكتفائها بالسّوقي و المبسّط.

يقارن طيبي نظريات نشوء الأمم في العالم الثالث مع نظريات نشوء الأمم في العالم الأول. يرى أن الفكر القومي في العالم الثالث وُجِدَ ليكون أداة تحررية ضد الاستعمار, لا أداة للتنمية الوطنية المستدامة, و ضرب الأمثلة على ذلك. إن ذلك يعني أن الدولة القومية في العالم الثالث تعتمد أنطولوجياً على وجود عدو خارجي كالاستعمار, و لا تستطيع تعبئة الجهود المحلية دون هكذا تصور, فبدون هذا العدو الذي يجمع الشعب, يغدو ربط الأفراد ببعضهم ضمن المجتمع أمراً لا يتم تحقيقه إلا بالقوة و القسر. و ليس فكر ساطع الحصري إلا مثالاً على هذا, فكرٌ استمر إلى يومنا المعاصر.

لم يتكلم طيبي عن الفكر الوطني أو القومي و حسب, بل كان يمشي أيضاً على خط تطور الفكر الإسلامي الحداثي, الذي ولد ليساجل الفكر الوطني العلماني. فاستعرض الكاتب أعمال رفاعة الطهطاوي, فالأفغاني, فمحمد عبده و رشيد رضا. و رأى أن الفكر الوطني الأوروبي قد أثّر بهؤلاء سواءاً عرفوا أم لم يعرفوا, فانبهار الطهطاوي برحلته الأولى إلى باريس و انكبابه على الترجمة و التعليم و التوفيق بين ما تعلمه في الغرب و الإسلام بعد عودته يعطي صورة على تلك الرحلة الأولى بين الغرب و الشرق, و محاولة لتكييف الدين مع الوطنية. أما الأفغاني اعتبر أن “الأمة الإسلامية” هي “أمّة” بالمفهوم القومي للكلمة في تفنيده للقائلين بأن “المسلمين ليسوا قوماً”. و دافع الأفغاني عن كونية الخلافة الإسلامية و اعتبارها فوق كل المكونات الأخرى لطالما كانت كل هذه المكونات تبوء بالإسلام, بل إن الإسلام يتعالى عن كل الـ”قوميات” باعتباره لا يفرق بين عربي أو أعجمي إلا بالتقوى, و يمكن لمن توافرت به شروط القيادية و التُقى و الإسلام أن يكون خليفة دون النظر إلى عرقه أو إثنيته أو لغته. هذا الفكر دفع السلطان عبد الحميد الثاني باجتذاب الأفغاني للدفاع عن “كونية الخلافة العثمانية” و التسويق للعثمانوية, إلا أن هذا التحالف باء بالفشل لاحقاً. و انتقلت راية الأفغاني إلى محمد عبده فساجل الأخير المستشرقين و تبع معلّمه, و نقل تعاليمه إلى رشيد رضا, الذي كان سلفياً, و الذي يعتبر الأب الروحي للإسلام السياسي. و قد ظل الإسلام السياسي بعد انهيار الخلافة العثمانية محيّداً عن السياسة حتى بدء تفكك الدولة القومية الذي نشهده اليوم.

بدأت شرعية الدولة العروبية تتفكك بعد الصدمة التي سبّبتها نكسة حزيران في ال67, و اكتشفت شعوب المنطقة مدى غوغائية ساستها العروبيين. يثني طيبي على المفكر صادق جلال العظم الليبرالي الميول في قدحه شرارة النقد اللاذع, إلا أنه يعترف بعدم كفايته. و أخذ الصوت الإسلامي يتصاعد كبديل عن القومجية العروبية. يرى طيبي أن الإسلامية حالة ما قبل وطنية, و لا يمكن لها النجاح باعتبارها لا تؤمن بالنظام الوطني الذي تُبنى عليه جميع العلاقات الدولية السياسية و التجارية اليوم. يضرب مثلاً إنكار الشيخ القرضاوي للوطنية باعتبارها “حلولاً مستوردة” لا تتناغم مع طبيعة مجتمعاتنا. و ذكر الناصرية و البعثية الصدّامية و الأسدية مثالاً عن الشرعية العربية الغوغائية المنهارة التي لا تعمل إلا بالقسر و القوة. يضمّن طيبي استنكاره لكلا هاتين المدرستين, و توصيته بنظام وطني ديمقراطي ليبرالي فرنسي النزعة.

هكذا ينتهي كتاب طيبي, الذي طبع آخر مرة سنة 1997, تاركاً لنا مساحة ذهنية متشائمة لاستنباء المستقبل. لا بد أننا نرى اليوم تحالفاً للمدرستين “السيئتين” اللتين تحدث عنهما طيبي, تحالف الإسلامية العروبية, كداعش و النصرة و غيرها, التي ترى بأحقية الخلافة للعرب القرشيين الأقحاح, و هو بحد ذاته أمر غريب على الإسلام كدين, و غريب على الفكرة الوطنية العلمانية للعروبة. إن هذه المفرزات هي النتيجة المنطقية لما كان الطغاة العرب يسوقونه على أنه “التفكير التجديدي”, فسوّقوا مثلاً لاسم عبد الرحمن الكواكبي, الذي قال بأحقية الخلافة إلى العرب على حساب الأتراك. و حاولوا دمج الإسلام بالعروبة منذ ساطع الحصري حتى اليوم. ما نشهده في 2017 هو دمج لكل العناصر الزينوفوبية و العرقية و العنصرية و الانغلاقية و الرجعية و الميتافيزيقية الموجودة على الساحة(الإسلامجية و القومجية العروبية), إنها نصر للقومجيين الغوغائيين الذين رعوا نمو هذه الأفكار, إنها نصر للجهل, للكسل, للتقاعس عن تقديم البديل المناسب… إنها كارثة.

لا يزال الكثيرون على قناعة بأن البديل الوحيد الموجود عن البعث هو الدولة الإسلاموية. و من يكره البعث, يراه “جنّة” أمام نار الإسلاميين. و يتناسى معظم من يريد جواباً أن هناك خياراً ثالثاً لا يحد معضلتنا بين هاتين الثنائيتين المقيتتين, و هو الفكر الوطني الديمقراطي المنفتح على جميع المكونات, الصارم بتقبله للآخر, و الصارم أيضاً—و هذه إضافة شرقية مني—بعدم تقبله لمن لا يتقبل العقد الديمقراطي. إنه خيارٌ صعبٌ بما أنه الوحيد الذي يحتاجنا أن نختاره عن رغبة حرة و إرادة مستقلة و تنازلٍ عن النمط الموروث الذي تلقنّاه من الطغاة. إنه خيار يتعبنا, يخدشنا, و يؤلمنا, و علينا إن أردنا إثبات حريتنا أن نتألم من أجل بلوغه.

(1) Tibi, B. (1997). Arab nationalism: a critical enquiry(3rd ed.) . London: Palgrave MacMillan.

(2) عصابية: من “العصبية” الإبن خلدونية.

الصور الذهنية المؤدلجة في عقل الفرد السوري: نظرة معرفية

Untitled-1

وليد شاب سوري بلغ ال18 من العمر و لم يفعل شيئاً في حياته على الإطلاق سوى أنه ذهب إلى المدرسة, حضر دروسه, و عاد في كل يوم. سيكون مجموع الصور و الرسائل المؤدلجة المحشوة في رأسه يساوي 1368 ساعة تقريباً ببلوغه ال18 و تخرجه من الثانوية. هذا الرقم هو أكثر الأرقام محافظةً. الرسائل المؤدلجة هي كل شعار أو تلقين حزبي, أو صورة مرئية بروباغانداوية تمجد الهيمنة السلطوية لحزب البعث أو العائلة الأسدية. تتراوح هذه الرسائل من لمحات بسيطة عابرة على الطريق(و في الصف, المدرسة.. الخ) مدتها ثانية واحدة على الأقل, إلى اصطفافٍ مدرسي صباحي يستغرق 15-30 دقيقة, إلى حصة مادة القومية ذات الـ45 دقيقة. أخذنا بعين الاعتبار بعد القيام بالحسابات اللازمة أن 3.33 ساعة في الأسبوع تذهب على هذا النوع من الرسائل بالنسبة لوليد, فيما قد يصل الرقم حتى خمسة ساعات و نصف بأقصى حالاته(أي 2363 ساعة عند بلوغ ال18). مما يعني أن وليداً بعد ارتياده المدرسة لـ12 سنة, كان قد أمضى 10.4% من وقته المخصص للدراسة, وهو يتعرض للتلقين الأيديولوجي و يحفظ آلافاً من الصور و الشعارات العابرة في رأسه. إن إشغال عُشرَ الطاقة الذهنية التعليمية للأطفال و اليافعين بهذا الشكل يقيد النمو بشكل ملحوظ, فبدلاً من استثمار هذا الوقت بالتفكير النقدي و البنّاء و الرياضي, يتم تلقين أفكار جاهزة حشواً في بنية فكرية فضولية تحتاج لكل ما تقدر عليه من طاقة تفكيرية و تجربة مباشرة.

على طريق العودة إلى منزله, يرى وليد 10 رسائل مؤدلجة تقريباً, كثير منها على شكل إعلانات طرقية, و منها ما يكسو مبانٍ حكومية بشكل واضح. في كل مئة متر يمشيها, يرى وليد رسالة مؤدلجة واحدة. في المدن تتراوح المسافة بين 88 إلى 142 متراً لكل رسالة, و تغزر هذه المشاهدات عند الشوارع الرئيسية, فيما تندر في الأزّقة, مما يجعل الأحياء القديمة أقل تعرضاً لها نسبياً.

اتخذتُ مدينة حمص قبل الربيع العربي مثالاً لجنسية وليد, و ذلك لأنني أعرف بها باعتبارها مدينتي, و لأنها مدينة متوسطة الأهمية, و ينتمي أهلها إلى طبقة متوسطة و متعلمة نسبياً كما عائلة وليد. قد تختلف شدة الحشو الأيديولوجي من مدينة لأخرى, فلربما تكون حلب أهم للنظام من حمص, أو دمشق أهم من حلب. و اعتبرتُ أن وليداً لم يخرج من باب منزله قط سوى متجهاً إلى المدرسة, أي أن هذا الرقم لم يسبر سوى باحة واحدة من حياته, الباحة التعليمية, أي عُشر حياته الواعية تقريباً. في الحقيقة, حاول النظام حشو الرسائل المؤدلجة في كل مكان يقدر عليه و في جميع باحات الحياة اليومية, فلا يكاد المرء ينظر إلى مكان دون أن يجد إشارة ما تحاول تلقينه. بل إن هناك محاولات لربط مشاعر معينة كالمتعة مع صور آل الأسد, ففي ملعب كرة القدم مثلاً, أحد أهم المرافق الترويحية في المدينة, تتوسط مدرجات الجماهير صورة كبيرة للرئيس تكاد تُرى مع كل لفتة نظر. و لا يقتصر الأمر على المتعة, فالعقاب و الألم يحتمل تواجد صورة الأسد أيضاً, كما في الأفرع الأمنية المعروفة بصيتها السيء قبل أي نزاع داخلي في سوريا.

يدخل المرء البالغ مبنىً حكومياً سورياً و ذهنه مأخوذٌ بأربعة أشياء أرتّبها حسب أولويتها في الوعي: التعقيدات البيروقراطية, الرشوة, عمارة البناء البعثية الشيوعية القبيحة, و الرسائل المؤدلجة. البيروقراطية بذاتها نوع من أنواع التعذيب الغير جسدي, و العمارة “القاتلة” محسوبة مثلها. المساحة الفيزيائية المخصصة للبشر كانت و لا زالت عنصراً مهماً في التحكم بالحالة الذهنية و النفسية للأفراد.

هذا الاستنزاف الذهني و التهيئة النفسية المستمرة اتجاه المؤثرات المؤدلجة لا تسمح للمرء بالاستكانة و التفكير بشكل مستقل. و غالباً ما يصل المرء مع الوقت إلى حالة إرهاق ذهني تجعله يتجاهل المؤثرات و يتعامل معها على أنها عادية أو غير مهمة, فيما هي تعمل عملها في لاوعيه.

ليست الحكومة لوحدها ما يوّلد الأيديولوجيا. معظم مشاهدات السوريين في الشارع مقتصرة على مؤسستين و أيديولوجيتين, مؤسسات حكومية, و مؤسسات دينية. من شبه المعدوم تواجد مؤسسات مجتمع مدني أو نوادٍ ثقافية أو حتى مكتبات عامّة.و تُعَوِضُ المؤسسة الدينية عن هذا الفراغ بحضور كبير قد يغلب الحضور الحكومي. يبدو أن هناك نسبة مسجد واحد إلى كل ثلاثة أبنية حكومية تقريباً في كل من أحياء المدينة. كلاً من المؤسستين(دينية و حكومية) تشغران وظيفة مهمة مستقلة لوحدها, بالإضافة إلى تفاعلهما و تعاونهما على تنظيم الذهنية العامة و الشعور بالمتعة و الخوف, و الانفتاح و القمع. للمسجد في سوريا وظيفتان مجتمعيتان معترف بهما, التلقين الأخلاقي(الذي بات احتكاراً أخلاقياً في الآونة الأخيرة), و التحكم بمشاعر الترغيب و الترهيب. فإن شدّت الحكومة خيط الترهيب, أتى الجامع ليرخيه بالترغيب معطياً الناس مجالاً للتنفيس, و إن أرخت الحكومة خيط الترغيب, أتى الجامع لينتقد “الانحطاط الأخلاقي لشباب العصر” و يشد الخيط من جديد. و هناك وظيفة روحية واحدة متمازجة مع الأيديولوجيا الحكومية و هي الميتافيزيقيا, أي الإجابة على ال”لماذا” التي لم يجب عليه النظام في مناهجه التعليمية و بروباغاندته. نسبة الارتداد إلى الجوامع متوسطة إلى عالية نسبياً, فهي تعمل عمل نقطة تجمع إجتماعي, لا مركزاً روحياً فقط.

بالعودة إلى وليد, و على فرض أن وليد متعلم و متدين تديناً تاماً, فيكون قد استغرق في طقوسٍ دينية ما مدته 7480 ساعة من حياته, و إن جمعناها مع الأدلجة الحكومية في المدرسة, نحصل على 8823 ساعة(أي سنة كاملة مستمرة من حياته ذات ال18 عاماً) و هو يتعرض للتلقين الحكومي و الديني. أما إن كان متوسطاً دينياً(+متعلم) فيكون قد أمضى 4093 ساعة. و في حال ضعفه دينياً(+متعلم) فيكون قد أمضى 2200 ساعة.

لا يخفى أن هذه الأرقام خطيرة و متفجرة, فتعرض أحدهم لما مقداره سنة مستمرة من أي أدلجة كانت, قد يوديه إلى اضطرابات في ضبط حركة الصور الذهنية المؤدلجة, و ضعف التركيز, و مشاكل نفسية, و انقسامات هويوية, و فكر مُطلَقِي.

و قد حظي الجامع بمكانة عالية لأن التجمع علناً ممنوع في سوريا سوى في أماكن مُعلنة تعلّم السوريون عليها كما لو أنها جزء من الغريزة, كالملعب و الجامع و المرافق التعليمية فقط. يُذكر أن حتى هذه التجمعات كانت تزعج الحكومة بين الحين و الآخر, فأحداث ملعب قامشلو في 2004 و التظاهرات الخارجة من الجوامع و الجامعات في الربيع العربي دعت الحكومة السورية على القيام بحملات تطهير مسّت الحجر(الأبنية) و البشر. و دوماً ما كان هناك شعور بوجود تناقض بين طبيعة المجتمع الجمعية و طبيعية القوانين التي تقنن التجمع.

الطبيعة الجمعية للمجتمع السوري تهيمن على هوية الفرد بشكل مطلق, سواءاً كانت هوية علمانيةً أم دينية, مما يسهّل التحول نحو الإمّعية و تلاشي الشخصية الذاتية, أي تسهيل السلوك اللأخلاقي و الغير واعي المنقاد جمعياً. و لا يكمن حل هذه المشكلة في رأيي بالفردانية المطلقة, و إنما بتوازن بين الفردانية و الجمعية كخطوة أولى على الأقل. و لا يمكن لهذه أن تأتي دون وجود مؤسسات تعادل الثقل الجمعي, أي مؤسسات فردانية تستطيع توليد حس فرداني مستقل, أعني بهذا منظمات مجتمع مدني و نوادٍ ثقافية من التي غُيِّبَ عنها المجتمع السوري. إن طبيعة مجتمعنا الحالية تجعل من أي طغيانٍ للكفة الجمعية على الكفة الفردانية—و لربما العكس بالعكس—من الميزان اختلالاً كبيراً و أزمة هويوية توعد بالإنفجار, و هذا ما برهنت عليه الأزمة السورية اليوم. حتى الحاضر, لا توجد هوية سورية جمعية تعترف بمساحة فردانية و تساعد الفرد على بناء هويته المستقلة, بل صَمَّمَتْ كلها تاريخياً على أن تجعل الجمع فوق الفرد بالمطلق. و جميع الهويات الفردانية المتوافرة تتنكر تنكراً شبه تامٍ للإنتماءات الجمعية السورية, مما يجعلها ضعيفة الإقبال و عنينة التمثيل.

إن النموذج المعرفي لمعانٍ تجريدية كالـ”سلام” أو الـ”وطنية”, يعتمد تماماً على ما تعرّض له المرء من صور مؤدلجة و حشو معرفي. فقبل الربيع العربي, اعتمد السوريون لإدراك معنى كلمة “سلام” على وجود إسرائيل, و كلمة “وطنية” على وجود “حكومة”, و كلمة “أخلاق” على وجود الشيخ, و كلمة “نضال” على وجود السلاح. لم يستطع السوريون تعريف المعانِ هذه بتجريد, أي لم يستطيعوا إلا أن يدركوها بعد ضرب الأمثلة الحسية. بالطبع, حتى اختيارهم للمثال لم يكن لهم حرية به, فقد كان المثال مصمماً و جاهزاً لهم من قبل بشكل يتناسب مع الأيديولوجيا المهيمنة. و قد سُمح في بعض الأحيان لهذه الأمثلة بأن تكون ضبابية و غير مرئية و مفتوحة للتفسير, مثل المثال المذكور أعلاه “إسرائيل”, فلم يرَ السوريون إسرائيلياً قط, ولم يتكلموا أو يحتكوا أو يعرفوا لغته حتّى, و لا علم لهم بخواص المجتمع الإسرائيلي إلا مما يتلقوه من الإعلام الرسمي بالطبع.. فوظيفة هذا المثال—و ما شابهه بالضبابية—أن يكون محط إسقاط نفسي, بحيث يكمل المرء الفراغات الناقصة من تجربته الخاصة, و (يُبدع) و يختلق القصص و التحليلات و النتائج غير آبهٍ بالأمانة و المصداقية المعرفية. يقول الناقد الاجتماعي و الفيلسوف سلافوي جيجيك أن هذه المساحة المفتوحة للتفسير و الإسقاط هي من أهم ما تبني عليه الأيديولوجيا وجودها. و الفرق الأهم بين التعريف التجريدي و التعريف المحسوس, أن الأول يعتمد على الذات فقط دون الحاجة إلى وجود كيان خارجي تفسر المعنى نسبة إليه, فيما يقوم التعريف المحسوس—أي المثال—على شرط وجود كيان خارجي يجبرك أن تعتمد عليه لا على نفسك في التفسير و المقاربة. بالفعل, إن هذا الكيان الخارجي الذي علّق السوريون عليه معنى الأمور كلها كان مصدره النهائي في أغلب الأحيان تلكم الأيديولوجيتان: إما الحكومية, أو الدينية.

بلعبة بسيطة مع أصدقائي(أو أصدقاءكم إن أردتم) يمكننا أن نرى وقع مأساتنا الذهنية: أسألهم أن يقولوا لي أول كلمة أو صورة تخطر على بالهم مباشرة بعد تلفظي بكلمة ما, فمثلاً, أقول “تفاح” , يرد صديقي: “فواكهة” .. “كتاب” و الرد: “مكتبة”, سبورة: طبشورة.. الخ.. تمشي التجربة البسيطة هذه بما يشابه المحادثة التالية:

تفاحة: أحمر

كتاب: ورق

سيارة: دولاب

كرة: ملعب

أخضر: عشب

رصيف: شجرة

حديقة: زهرة

.

.

و بعد عدد من الربط الحر بهذا الشكل أسأل:

*حزب: البعث*

باص: مقعد

بسكويت: شاي

.

.

*سوريا: العلم السوري*

.

.

*وطن: كتاب القومية*

.

.

*رئيس: بشار الأسد*

.. الخ

أحياناً أصادف شيئاً مثل: خطر: سلاح.. سلاح: جيش. 100% من المرات يكون الرد اتجاه “حزب” بـ “البعث”, فيما تتغير الردود المهمة الأخرى دون أن تبتعد عن السمة المؤدلجة نفسها. لا تخرج هذه الأجوبة عن تفكير و و لا حاجة لاستدعائها, إنها موجودة للوصول المباشر و السهل في الوعي, فهذه الردود يتم نطقها في أقل من ثانية.

لدينا إذاً عقلية مقولبة بآلاف الصور و آلاف الساعات بهدف التدجين و سهولة التحكم, و إرادة فردية شبه معدومة على حساب إرادة المجموع, و دور “ذاتي” مهمش على حساب دور “الآخر”, سواءاً كان الآخر مجتمعاً أم ميتافيزيقيةً. و أيديولوجيا تملأ الذهن بصور معينة دون صور أخرى. يولد هذا عجزاً مكتسباً, أي عدم اكتراث بما يحصل مع المرء, فالقدر “مكتوب” مسبقاً, و شروط الوجود في الحاضر مفروضة بدون حول ولا قوة, و على المرء تقبل قدره كما هو و عدم المقاومة أو التذمر مهما كان مؤلماً. و حتى و إن نجح المرء في إنجاز شيء ما, إذ قاوم و استحق مكانة و قوة ترفعه أقرب إلى مرتبة الإنسان, فترى الأيديولوجيا أقوى منه حتى هنا, فيعزو إنجازه لا لنفسه, و إنما يزيحه إلى كيان خارجي. عندما دخلت الثورة السورية بحقبة انحطاطها, أي عندما بدأت تتحول نحو الأدعية و الأغاني الثورية بدلاً من الهتافات الموجهة, تم إعزاء كل ما نجح الثوار بتحقيقه إلى شيء مثل “رحمة الله و توفيقه” لا إلى الدافع الثوري لديهم, و انتقلنا تدريجياً من (1) دعوات الاكتفاء الثوري الذاتي “يا للعار يا للعار.. عالشب القاعد بالدار”, و التي أعطت معنىً جديداً للـ”عار” , بل و أعطت معنىً جديداً ل “شب” مضعّفةً من تجنيس الكلمة لتشمل الإناث أيضاً, (2) إلى إحالات خارجية “صمتكم يقتلنا .. غير الله ما إلنا”, و ” يا عالم شو عم تستنا.. جيبو الناتو وتعال عنا”, فقد أصبحت الثورة دعوة و استجداءاً للخارج و الغائب بدلاً من دعوة الذات, (3) ثم أخيراً إلى إعزاء و إحالة ميتافيزيقية بالكامل “و ما رميت إذا رميت و لكن الله رمى .. هي لله هي لله..”. هنا, لم يعد هناك أهمية لبراعة الرامي, أو شجاعة المتظاهر, أو إصرار المعتصم, أو تحدي المضربين, أو تعب الثوار. فَقَدَ الفرد اعتباره مرة أخرى, و أخصِيَ دوره و جهده. انسحبت الأطر الثورية الأولى بالجملة من بعد هذا التحول. شهدنا أمام أعيننا ولادة أيديولوجيا مستبدة من ثورتنا, أيديولوجيا أعادت تدوير ديكتاتورية البعث من جديد. كان من المفروض أن تكون الثورة نبذاً للمخططات الذهنية و التعريفات القديمة كلها, و أن نبدي المعنى لها من جديد, لا أن ننسخ المعنى منها و نستخدمه نفسهُ نفسهْ, لا أن نغيير كلمات الأغنية مع الحفاظ على لحنها, بل أن نغيرها كلها بألحانها و كلماتها. ما إن فقدنا قدرتنا على التحكم برموزنا, حتى فقدنا الثورة كلها. لم ينتصر وليد قط, بل انتصرت كل هذه الصور الموجودة في رأس وليد.

الثورة الدينية المضادة، حزب البعث، و العداء للكلمة و الحرية

sdfdf

كان حكم البعث دوماً نسخة نموذجية للسلطة القمعية البشرية الحديثة, فألّه الدولة, و أعطى القوة صفة المطلق, و أعطى الفرد الإنساني صفة اللاشيء, و الأهم, أتى بشرعيته من كيان غير موجود, من ميتافيزيقية جديدة ما بعد دينية. حين كان الله هو ما يشرّع السلطة في السابق, بات اليوم المشرّع هو شيء لا يقل ميتافيزيقية: “الشعب”, أو باللهجة البعثية “الجماهير الشعبية” و حتى “العروبة”.

بالطبع, فكل أولئك الذين لم يعجبوا ذوق البعثيين ليسوا محسوبين على “الجماهير الشعبية”, و ليسوا “شعباً”, و يحق للسلطة أن تسحب منهم كل حقوقهم المدنية و الإنسانية و تهينهم و تذلهم و تقتلهم و تنكل بهم و تعلق وجودهم بشكل كامل. و يمكن أيضاً للمرء أن يكون عربياً حتى لو كان كردياً أو تركمانياً أو آشورياً. أنه منطق الطغاة المعروف.

ما هي “الجماهير الشعبية” هذه إذاً؟ أحمق من يظن أن “الجماهير الشعبية” قد وجدت يوماً, إنها لا شيء, لا وجوداً موضوعياً لها, هي فكرة خيالية أساسية في غسيل دماغنا و امتصاصنا للأيديولوجيا البعثية, إنها كلمة تملأ الفراغ و حسب, و لم تكن الكلمة مهمة يوماً, و إنما الفراغ هو المهم. و أما “العروبة” فحدّث بلا حرج, و لا تستحق أن أزهق السطور في تفنيدها. إن “الجماهير الشعبية” و “العروبة” كانت دوماً ما يعطي الحزب قدرته و “مصداقيته” للوصول إلى الحقيقة, إلى الميتافيزيقيا, فهي التي تملي على الحزب المقدار المناسب من الحريات(أو اللاحريات في الحالة السورية), في خطابيات فحواها شيء من قبيل “الحرية عظيمة, لكن ليس عندما تهين الشعور القومي”, “الإسلام دين كامل, لكن ليس عندما يصبح أخوانياً إرهابياً” و ما شابه من الترهات المتناقضة التي لا معنى لها, و التي بكل لامعناها, كانت هي ما يحدد الحريات و السياسة البعثية.

إن شتم الحزب لم يكن يوماً خطراً على الحزب, بل يقال أن الأحزاب هذه تسمح عادة بحيز من الشتائم. ما كان يهين الحزب حقاً هو شتم مصدر شرعيته, و كل مصدر ميتافيزيقيٍ يعطيه وجوداً و يعلل وصوله إلى الحقيقة, و بشكل أقل كل فيلسوفٍ أو مساهمٍ فكريٍ ساهم في بناءه. لم يكن الله أحد المصادر الميتافيزيقية التي تعطي الحزب شرعيته, لذا كان بوسعك أن تشتم الله بصوت عالٍ في نصف شوارع دمشق دون أن تتحارش بك الحكومة أبداً. لكن, حاول أن تشتم الأب و الفيلسوف القائد للحزب “حافظ الأسد” بصوت خفيف في قرية ما و انظر ماذا سيحدث لك. لا تظن للحظة أنك ستُعَاقَبُ لأنك شتمت حافظاً الرئيس, أو حتى حافظاً الشخص, و إنما لأنه حافظ الفيلسوف, حافظ رمز الجماهير الشعبية, حافظ رمز العروبة. لن تعاقب بشتمك “الحكومة” لأنها الممثل السيادي للشعب, و إنما لأنها المطلق, إنها إله, إنها مصدر كلشيء.

الحكمة هنا أنك إن أردت أن تهين الحزب, فاشتم العروبة و استنقصها, و أهن “الشعب” و استحمقه, و كذا للجماهير الشعبية, و “الوحدة و الحرية و الاشتراكية”, و أنبياء الحزب, زكي الأرسوزي مثلاً. أشتم رموزه لا لأنها كلمات مشبعة و تريد أن تشفي غليلك, بل استنقاصاً من مصداقيتها الميتافيزيقية و إنكاراً لصلاحيتها و معانيها و أسباب وجودها.

ولدتْ الثورة السورية من رحم المعاناة مع هذا العبث و التراهة التي لا معنى لها. و كان من قَدَحَ الشرارة الأولى منها, أي الجيل الأول من شباب الربيع العربي, الجيل المدني التعددي—الساذج بتعدديته أحياناً— من قلائل المؤسسات التي تستطيع مس التراهة الميتافيزيقية للحزب على هذا المستوى من التجريد. فرفضت المؤسسة المدنية الثائرة في سوريا كل ما هو ميتافيزيقي, أي كل ما يعطي تبريراً ما ورائياً لممارسة السلطة, مدركة أن الميتافيزيقيا هي العنصر الأهم في الاستبداد و الطغو و التدجين. لم يرد هؤلاء الثوار الأوائل أن يبقوا عبيداً للخرافات الأيديولوجية و الإصطلاحات ذات الوقع الذي يغسل الدماغ, و كان تحررهم من الأيديولوجيا نصراً لهم, باتوا مذ يومها أحراراً حقاً, باتوا ثواراً و ليسوا مجرد معارضين. لكن, لم تكن جميع شرائح المعارضة مثلهم, بات أولئك الأولون شريحة من شرائح كثيرة مع تقدم الزمن, و بدا أن النظام البعثي متغلغل في كل تلفيفة من تلافيف المخ السوري, فلم يستطع الكثيرون التخلي عن تعلقهم بالميتافيزيقيا, لم يثوروا ضدها, و إنما طالبوا بتغيير كلمات “الجماهير الشعبية”  و “العروبة” فقط. و اختار الكثيرون أن ينتقلوا من حالة عبيد إلى حالة عبيد أخرى.

تم تهميش أولئك الذين بدأت الثورة بهم, و ما بقي منهم إلا الفتات, و صعد على أكتاف “مؤسساتهم” الكثير من “الوجوه”. و أصبحت في سوريا ميتافيزيقيتان أساسيتان, الدينية, و البعثية. و هيمنت الميتافيزيقية الدينية على الثورة, و حيّدت ثورية أبنائها  الحقيقية إلى “ثورية” ثانوية, إلى معارضة لا ثورة, إلى اعتمادية على أفكار بعيدة لا معنى منها, إلى وهم.

أخذت الميتافيزيقية الدينية تحاول أن تلحق بركب الميتافيزيقيا البعثية في البنية و النمو و قوة المصادر. و بدأت تسهر الليالي حرصاً على سلامة “الأمة”, و تقوم على أحوال “الرعية” , و تنافح عن صحة مصادرها المتصلة الموثقة بالـ”السلف الصالح” و غيرهم من التابعين و الصحابة و الأنبياء, و الذين هم بدورهم متصلون مع “الله”, مع المطلق.. المطلق هذا مرة أخرى.

بقي فتات المجتمع المدني الثائر موجوداً بضعف, يتحرك ببطئ, ناشطاً بلا عزم, و حُصِرَ دوره في المساهمة بالتوثيق و الإغاثة, بيد أنه لا يزال يحظى بشيء من الاحترام الثوري من الشرائح المجانبة له. و في خضم الصراع المؤلم بين الشرائح المعارِضَة, وجد “المدنيون” الأولون أنفسهم في مواجهة “المتدينين”, و على خجل و استحياء كان كل احتكاك و عراك بينهم يؤجل إلى “ما بعد النصر”, دون أن يدركوا أن سبب تأخر النصر موجود بينهم. كان المتدينون قد هيمنوا على قوة السلاح في الطرف المعارض, و بات كل تحارش سلوطي و استقوائي يُمَارَسُ من المتدينين حصراً, و جعلوا يمارسون الاستفزاز للمكونات الثورية الأخرى, و كأن وجودهم و قوتهم تعتمد على استضعاف الآخرين. صبر المدنيون, و بسذاجة التزموا بمبدأ تأجيل الخلافات لما بعد النصر—و خسروا الكثير من صفوفهم—إلّا أن بعضهم لم يستطع مقاومة ما في فمه من ماء, فأخذنا نرى بين الفينة و الأخرى تسربلات تلمّح للعداء الميتافيزيقي ضد المتدينين, و تساويهم مع الحزب البعثي.

في العدد 86 من مجلة طلعنا عالحرية الصادرة في 21 شباط 2017, و التي تنشر ورقياً في المناطق المحررة, تحديداً في الغوطة الشرقية, كتبَ الثائر شوكت غرز الدين مقالة يحتج فيها على البنية الميتافيزيقية العبثية لهذا العالم, و عبثية الألم الذي يعاني منه السوريون, و عرج إلى تعسف الدولة و الأبوية الإجتماعية و .. الله. أعِيدُ نشر ما كتبه في نهاية هذه المقالة.

كان هذا إهانة لكل الأطراف المسلحة في سوريا. فقُضّ مضجع “رعاة” الرعية, و الساهرون على حراسة “الأمّة”, و كلمة الله على الأرض. كيف لا, و قد تمت إهانة ميتافيزيقيتهم! فكانت ردة فعلهم مثل جوهرهم, بعثية تماماً. أخذوا يتباكون كعادتهم, فهم لا يصلحون لشيء كما يصلحون للتباكي, و أتبعوا تباكيهم بالعنف, أيضاً كعادتهم, فتم تكفير المجلة و القائمين عليها, وأخذوا يدعون إلى الإغارة على مقر المجلة. ثم توصلوا إلى إغلاق المقر, و التشهير بكتّابها و ملاحقتهم كما في العصور البائدة(حيث ألصِقَتْ منشورات و عليها صور الـ”مجرمين” القائمين على المجلة), بل و انتقلوا لإغلاق منظمة مدنية غيرها, كأنهم يجمعون زخمهم لحملة كاملة لإنهاء الفتات المدني. و أخذ “رعاة” الرعية يبررون عنجهيتهم, قال أحمقهم: ” الحرية شعار عظيم.. قال عمر متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا..وليس من الحرية أن يتدثر بها من يطعن بالمقدسات ويعتدي على عقيدةالآخرين”.

كأنما البعث نطق بهذه الكلمات!… بل الحرية أن تهين كلشيء, مقدسات و غير مقدسات. ثم و منذ متى باتت كلمات الناس اعتداءاً و بنادق العساكر زهوراً؟. حاولَ المجتمع المدني حل المشكلة بالتوسط, و تهدئة الأحوال, و مسايرة المتعنتين المتعصبين, الذين ما تنازلوا عن ذرة من بدائيتهم إلا عندما نظروا إلى المجتمع المدني الثائر بعين المنيّة و المكرمة, هؤلاء المدنيون الذين لولاهم لما كان هناك ثورة, و لما كان هناك مسلحون متدينون بموقع السلطة.

إن هؤلاء المتدينين يدورون بمنطقهم الدائري اللامتناهي الحماقة, “ليس من الحرية أن .. “, من أين لك أن تعرف ما هي حدود الحرية؟! آه بالطبع يعرفون! فلديهم وصول حصري إلى الميتافيزيقيا التي تدلهم على هذا. إنهم لا يدّعون فقط النطق باسم الله, بل باسم الحرية أيضاً. بالطبع يعرفون الحرية و يدركونها, إنهم يحملون السلاح, إنهم أحرار و قادرون على القمع و السطو و الخطف و اللجم و التعزير و الرجم و الحرق…

كانت الثورة حرباً ضد كل مظاهر العبودية, تحت أي إسم كان, و كان المحارب في هذه الخنادق يحظى بشرف التسمية “ثائر”, كان هذا قبل أن يضيع المعنى و يتشتت, قبل أن يكون هناك “وجوه” و قبل أن يكون هناك “دعاة” أو “رعاة”. بقي بعض “الثوار” اليوم, منهم القائمون على مجلة طلعنا عالحرية, منهم شوكت غرز الدين, فليرفعوا رؤوسهم, و ليشعروا بالفخر, فمنال الحرية صعب و لا يستحقه إلا من يريد تحمله, و طريق الثائر مليء بالحروب و الجروح و الطعنات في الظهر. و إن أردت أن تختبر العبيد, فاسألهم عن الحرية. و كما وصفتُ الإهانة المثلى للبعث, لعلنا الآن بحاجة لإهانةِ ميتافيزيقيةِ المتدينين.

  • المقالة المنشورة في مجلة طلعنا عالحرية المكتوبة بقلم شوكت غرز الدين.
  • photo_2017-03-08_19-06-51

الدين و الثورة

sdfdf

أمين نور
الحوار المتمدن-العدد: 5418 – 2017 / 1 / 31 – 00:47
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=546630

في سبيل البحث عن أسس لنظرية ثورية, تحاول تلمّس أعماق الثورة بشكل عام, السورية منها بشكل خاص, يأتي هذا المقال متمنياً أن يكون كدعوة أولى من أجل العمل على هذا المشروع, النظرية الثورية, الصادرة من أقلام ثوارنا و المكتوبة بناءاً على فهم سياقنا المحلّي, لا النظرية الثورية الموردة من الخارج, و التي تناسب سياقاتٍ تاريخية مختلفة, دون تجاهل فائدتها و مقارباتها. لا زلنا يافعين و مبتدئين و عاطفيين في النظرية, و لكن قد نملك ما يكفي من الحكمة لنعرف أننا في بداية طريق الألف ميل. و لا يخفى أن الدين موضوع أساسيٌ في هذا النقاش, الدين الذي ولد هنا في الشرق الأوسط, و الذي يفني نفسه في الشرق الأوسط. فآثار الدين على الثورة كانت كبيرة, و لربما غيرت وجه الثورة كله, مما جعل الدين و رواد الثورة الأولى على عداوة مباشرة, حيث وجد الأخيرون في الدين ما شوه ثورتهم.

للدين مدلول إجتماعي مهم, هو المساحة—الوحيدة ربما—المسموح بها للمرء أن يمارس تعصبه. هو أيضاً حيث يجد المرء مساحة مشروعة ليمارس طقسيته و مازوخيته و رغبته في رؤية ما لا يُمَس, رؤية المتعالي و المطلق و المتخيل.. رؤية المقدس. و عندما تقتصر القداسة و التعصب على الدين فقط, فعندها سيفقد الأفراد القدرة على الاستقطاب الثوري, و سيفشلون في التعصب لثورتهم و الحفاظ عليها, و سيفشلون أيضاً في استيعاب المجتمع المتعالي المتخيل الذي يتجاوز أنوفهم: المجتمع الوطني, أو حتى المجتمع الإنساني المطلق كله. و كذا بالنسبة للطقسية, فتراهم يفشلون أيضاً في بناء طقسية ثورية في أدائهم, تمكنهم من دعم عقيدة ثورية حقيقية, فكل هذه المساحات الذهنية, ملأها الدين و احتكرها بالكامل.

الدين هو شريعة ثابتة, حالة من الثبات و التوطيد و التوازن الاجتماعي في حالة معينة. الثورة في المقابل هي حالة التغيير و الإنقلاب, إنها انفجار للتوازن الاجتماعي المختل. هنا تعارض أساسي بالتعريف بين الحالتين, و إنْ تَقَدَّمَ هذا التعارض, فسيؤدي إلى ارتباك و حيرة في المعنى الأنطولوجي و السيمائي للثورة, و يضع كل من ناصر الثورة في أزمة أنطولوجية وجودية كبرى.

الدين حالة متعالية عن الواقع, فوق إنسانوية, مما يجعلها بعيدة عن الممارسات الواقعية. إنه إبيستيمولوجيا ميتافيزيقية إن أردت, مليء بالنبوءات و قصص الغيبيات, شيء عن نهاية العالم, و شيء عن العلامات الكبرى و الصغرى للقيامة.. و غيرها.. و إن معتنقي هذه القصص في أيام الحرب, سينبشون في ألفي سنة و نيف كي يؤكدوا ما هم منحازون لتأكيده في سردية شبه أسطورية و ميثولوجية و لاعلمية, ولينهكوا أنفسهم و يبددوا طاقتهم الفكرية في البحث عما هو غير مجدٍ, هذا إن كانوا ناشطين و لم يكتفوا بالدعاء فقط كوسيلة لإسقاط النظام, فاكتفاء بعض الناس بالدعاء فقط جرح لن ينساه الثوار و السوريون أبداً. ما هكذا تُفعل الثورات. إن هذه الابيستيمولوجيا الميتافيزيقية, أي التفسير الغيبي, الجبري القدري, الماورائي للأحداث الثورية يودي إلى كوارث عظيمة, هذه العقلية هي عدو أطغى من الأنظمة المتسلطة, إنها الاستبداد على العقل, السكين في الظهر, و دائماً ما ينبه الثوار الحقيقيون إلى أن الثورة هي ثورة على الذات أولاً, هي تغيير للعقلية كلها و استبدالها بعقلية أوعى. و اليوم نحن بحاجة إلى هذه الثورة قبل أي وقتٍ مضى, ثورة على الابيستيمولوجيا الميتافيزيقية بكل تفرعاتها الدينية و غير الدينية—الروحانية الجديدة— و أظن أن البديل واضح: الإبيستيمولوجيا العلمية, الثورة المبنية على المنهجية الحديثة و النقد العلمي.

إن كان الدين اليوم باعتراف دعاته, بحالة “حرب”, تارة يدافع و تارة يهاجم, بحالة غير مستقرة من تحديد للثوابت و المبادئ, بحالة صد داخلية و خارجية, و اقتتال داخلي و خارجي و انقسام و تشتت, فليدعونا إذاً نبني وطناً أكبر منهم, ليضمهم, و ليقتتلوا تحته حتى يفنوا بعضهم إن أرادوا, لكن ليس من العدالة أن يقتتلوا و هم في موقع السلطة علينا, وهم يعلمون أنهم متخبطون منقسمون, فيقودونا إلى الهاوية معهم. هذا الإنفراد الغير براغماتي في السلطة, يضعنا نحن السوريون في سلوك غبي جداً. لا زالت آلية التفكير السياسي البعثي سائدة, أنه إن انهارت السلطة, انهار كلشيء معها, لا يوجد خطة (ب), أو نقطة آمنة ما نستطيع العودة إليها. من الضروري, بل من الواجب, أن يبني الأفراد لأنفسهم هوية علمانية قوية متماسكة حقيقية و متوازنة طوعاً, تستطيع الصمود أمام تحديات العصر, و تؤمّن نقطة عودة نستطيع أن نلجأ إليها في حال انهارت كل المؤسسات السلطوية. و ثورة اليوم, في سياق الربيع العربي و غيرها, يجب أن تؤمن هذه النقطة و هذه الهوية, بل هي سبب الثورة و هدفها الأهم. بالطبع, من السذاجة القول “ليدعونا نبني وطناً” ثم انتظارهم ليفسحوا الطريق لحضراتنا. كما هم سرقوا ثورتنا بالقوة و نجحوا في هذا, فلا أجد خياراً واقعياً سوى استرداد الثورة و الحفاظ عليها بالقوة, و كان خطؤنا المشؤوم أن تساهلنا مع الشذوذات الثورية من باب مراعاة الديمقراطية و الليبرالية و العاطفة, حتى تهلهلت الثورة حد التلاشي.

و لعل المشكلة الأكبر بين الثورة و الدين, هو أن انهيار المؤسسة الدينية, التي تملأ وظيفة مصدر الأخلاقيات و السلوك و التحفيز, يوعز انهيار الأخلاق و السلوكيات و الخطاب التحفيزي و الثوري. و فعلاً, بالكاد اليوم السوريون مهتمون باسم أيام الجمعة الثورية, بالكاد تُحرك خطابات أصحاب الذقون أحاسيسنا و ثوريتنا.. و من بين كلشيء, بالكاد ما يقوم به السوريون أخلاقيٌ اليوم, سوءاً اتجاه أنفسهم, أم اتجاه الإنسانية جمعاء. المؤسسة الدينية هذه, حبيسة أخلاقيات قديمة لم تعد تستطيع مواكبة النظريات الأخلاقية الجديدة, و الخطاب الديني محدود المخيلة و الإبداعية, و هكذا, يكون ذات قدرة تعبوية محدودة جداً, و لا عجب أن السوريون يهربون من سوريا—و من كل الدول العربية صراحة—ليرموا أنفسهم في البحار عوضاً عن انتظار الدولة الموعودة, فقد فشل الخطاب الديني بتعبئة هؤلاء, في وقت كان معظهم قد هتف بإسقاط النظام و شارك في الثورة الحقيقية سابقاً و تحمل كل آلامها. لقد أودى الخطاب الديني و مؤسسته بخسارة الحاضنة الشعبية للثورة خسارة تراجيدية, و من يعي أهمية هذا الأمر, يعي أيضاً كم عليه أن يحمل على المؤسسة الدينية لفعلتها الشنيعة هذه. فوق كل هذا, يتضارب الخطاب الديني بشكل واضح مع الخطاب الوطني, و من غير المنطقي أن نتوقع أن الخطاب الديني سيؤدي إلى الدولة الوطنية, و من غير المنطقي أيضاً, بل من غير الإنساني, أن نقف مكتوفي الأيدي. إن من واجب الثورة التخلص من كل ما يحد خطاباتها و أخلاقياتها و إبداعيتها, و يثبط حاضنتها, و يخصي التفكير النقدي فيها. إن اعتناق الثورة لدين ما هو حالة غير أخلاقية. الدين احتكار لأخلاقيات معينة متجمدة منذ آلاف السنين, بينما الثورة هي شريعة أخلاقية جديدة بحد ذاتها.

لم يعد بالامكان تجاهل التفسخ الأخلاقي الذي يوفره لنا الدين, و الذي يعيق تقدم الثورات. للدين ميول شمولية لا يمكن التفلت منها, مما يعيقه من التوافق مع أي ثورة تهدف إلى التعددية, و يضع الثورة التي تعتنقه مذهباً في مأزق أخلاقي كبير. أضف إلى الميول الطبيعية لتفرق المذاهب الدينية, و اقتتالها بين بعضها, و تفسيرها للأحداث الثورية بشكل مقتصر على الرؤية الطائفية و الميتافيزيقية. كل هذا يجعل الدين نقطة ضعف, لا نقطة قوة في الثورات, و كل ما يوفره الدين من رابطة و عصبة و مركزية للجماعة الثورية, لدينا بدائل أحدث و أفضل له اليوم.

و تأتي الثورة لتصحيح كل المعوقات و الأخطاء القديمة, و إن كان المجتمع في حالة تهافت تام, حيث كل مكوناته تمارس ممارسات خاطئة, فالثورة عندها تأتي لاجتثاث كل ما هو قديم. و الدين ليس استثناءاً. لا يمكن بناء أسس ثورية على كل ما هو سابق و قديم, فكل ما هو قديم معرّض ليكون ملوثاً بأيديولوجيا الديكتاتور, بل إن كل ما هو قديم, قد ساهم بشكل من الأشكال في المحافظة على الحالة الدكتاتورية و ساعد على تأقلمها و توازنها و تدرب الدكتاتور على مقارعتها. الأسس الثورية يجب أن تكون جديدة كليّاً, مولودة من جديد, و إلا لن نصل إلى ما نصبوه من الثورات, ستكون ثوراتنا أنصاف ثورات حتى و لو نجحت إسمياً.

إن الدين حالة غير وطنية, أو بالأحرى, ما قبل وطنية, و لم تحابي الوطنية يوماً إلا عندما قُسِرَت بالقوة. حيث كان الدين في السابق هو الحالة التي توحّد الأفراد في مجتمع ما, و في سياق الإنسانوية, الأشمل و الأعمّ من أي دين, وُلِدَت الوطنية—من رحم ثورات عنيفة— كخطوة أولى لتوحيد الجماعات الإنسانية و الخروج من قوقعة الدين و تجاوزه. و لا بد لهذه الأفكار العمومية أن تتعارض مع منافسها “الدين” بشكل ما, الذي يصور معتنقيه بخصوصية اصطفائية عن باقي البشر, و يعزز الطبقية بوجود النخبة المتدينة. لا يمكن لثورة أن تكون وطنية و متدينة في ذات الوقت, لا يمكن لثورة أن تنادي بالمساواة و التدين بذات الوقت. من الصعب أن يكون هناك رجل دين في ثورة وطنية. هكذا يقول التاريخ. رجل الدين يفتخر بولائه لا لإحد سوى الله, لا للوطن, لا للثورة, لا للمجتمع, لا للإنسانية, لا للذات حتى. إنه نتاج آلاف السنين من التلاعب الفكري و غسيل الدماغ. هنا واجب على الثوري مجابهة هذا الفكر, مجابهة الآلاف من السنين المظلمة, مجابهة كل من لا يخلص للفكر الإنساني ثم للوطني.

في سوريا, ما يسبب الخلل و التخبط في الرأي الثوري, هو التصارع بين الدين السعودي الخليجي, و الدين الإيراني, و إن أردتم الدين الإسرائيلي اليهودي, ليعطي طفلاً مشوّهاً هجيناً من أقبح أيديولوجيات عصرنا, فرانكشتاين العصر, الميت الحي القبيح, و هو الأزمة السورية. كم هو مُنتَظَرٌ ذلك اليوم الذي ينهض به الشعب أمام هذه الأديان, و يعي أنها هي ما تسبب تأخير نصره و عظم كربته و كثرة دمائه المسفوكة, ليبزق في وجهها جميعاً, و ينتصر لثورته الحقيقية, السوريّة, الكونية, الوطنية, الخالية من كل التشويهات الأيديولوجية القديمة و الخارجية و الدخيلة.

أتساءل في النهاية, هل هناك فرق في أن يكون المرء مرتزقاً لبابا الفاتكيان مع تسمية مبهرجة قليلاً “صليبي”؟ أم مرتزقاً للشيخ البدين الأبطر ذاك في الكويت مع تسمية مبهرجة “جهادي”؟.. على أية حال, من الجيد أنهم لم يسموا بيادقهم “ثواراً”, فالثوار هم آخر ما قد يكونوه.

التخلص من العقبات الدينية واجب لعصرنا, عصر الثورات, أو ما أتمنى أن يسمى “عصر الثورات”, و ذلك في سياق التخلص من كل العقبات التي تواجه تقدم الإنسان, و ليس الدين إلا عاملاً يشل الثورة. إن آخر ما تحتاجه البنية الفوقية للثورة الحديثة هو الدين.

لا حاجة اليوم إلى كلمة الله على الأرض كي نقتنع بأهمية العدالة, أو بوجوب الكفاح من أجل مستحقاتنا, أو أهمية العمل الدفاعي, أو تنظيم العمل الهجومي, أو توجيه الخروج في وجه المستبد.. علينا تجاوز الدين بالثورة, و على الثورة تجاوز الدين بنا.

حلب: نهاية حقوق الإنسان

untitled-1

حلب: نهاية حقوق الإنسان

أمين نور
الحوار المتمدن-العدد: 5390 – 2017 / 1 / 2 – 01:08
المحور: حقوق الانسان

لا أود النوح و التباكي بعد استعراض قصة حلبية عما حصل مؤخراً. على ما يبدو أن هذه القصص لم تعد تجدي, ولا تأثير معتبراً لها, فإما الناس قد ملّت, أو/و رفعت عتبة لا مبالاتها. أهدف من رثائي هذا أن يكون مختلفاً عن التراجيديا الروائية لأدبيات سقوط المدن السورية المحاصرة, أود فيه أن أتكلم عما يؤلمني أكثر من كل الدماء المسفوكة في سوريا, بل أكثر من كل الرصاصات العابرة أزيزاً بين الأبرياء.

الإنسانية في حالة انهيار أخلاقي بحت. و إن كان نيتشه قد أعلن موت الإله في أوروبا منذ قرن و نيف, فاليوم يترتب علينا إعلان موت حقوق الإنسان في الشرق الأوسط.

كم هو من الصعب أن يعتنق المرء منظومة أخلاقية بدون نظامٍ قانوني يحميه, بل نظام يعاديه و يهاجمه لأي بادرة أخلاقية تصدر عنه. نظام يجرّم المنقذين الإغاثيين, و يلاحقهم, و يعذبهم, و يقتلهم. و بغض النظر عن السياسة, أظن, و آمل ألا أكون فرداً شاذاً غريباً بأخلاقه, أن اصطياد المدنيين و المنقذين الإغاثيين, و اقتناصهم كما تُقتنص الأرنبة و الغزلان, لهو انحدار أخلاقي كبير و عظيم, و مبررٌ موقفي عندما أكره الصيّاد الجائر ذاك, بل عندما أحاول أن أجعل من قضية كرهي له قيمة أخلاقية و إنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

حزينٌ أنا عندما أدرك أن الحقوق ليست بقوانين, و أن “حقوق الإنسان”, التي من المفترض أن تكون الأمر الوحيد العالمي الشامل Universal, ليست بعالمية وليست بشاملة. يا لها من فظاعة في سوء استخدامنا لكلمة “حقوق”. ما فائدة حقوق الإنسان إن لم تنجح في الاختبار؟ ما فائدتها إن كانت لا تُستخدم؟ .. هذه ليست صرختي فقط, بل صرخات الناس في سيريبرانكا و حلب و بيروت..

قد تكون حقوق الإنسان إحدى الآمال القليلة لمن يعيش تحت وطأة الأنظمة الطاغية المُشَرَعَنة. و لأحدٍ مثلي على الأقل, فإن الأمل أثبت أنه أكبر عدو للتحرر و استحقاق الحقوق. تأثيره المعيق يولّد الفكر الخيالي في إدراك العالم, كلمة “حقوق” نفسها تولّد تفاؤلاً مفرطاً ساذجاً في عقلية المقموعين, ليخدرهم عن الواقعية و البراغماتية العملية, ليظنون, في أسوء الأحول, أن هناك كياناً أو جسداً أو مؤسسةً ما فوقهم ستتدخل لحمايتهم. و على عكس كلمة “قانون” و التي تتضمن تصريحاً محمياً من قبل حكومة ما, فكلمة “حق” تدل على تصريحٍ محميٍ من قبل لا أحد, لا شيء. الفكرة المُبتَدَعةُ هذه هي مثالية إنسانية ميتافيزيقية ولدت و بقيت في مخيلة مفكري القرن الثامن عشر.

ما هو محزن في حقوق الإنسان, أنها من المفروض أن تكون بسيطة جداً, أساسية جداً, بدائية جداً, و مع ذلك, لا يمكننا تحقيقها. لماذا ننعتها بالقول عنها حقوق “الإنسان” إن لم تكن عالمية و شاملة؟ لماذا لا نناديها حقوق “الفرنسيين”؟ أو حقوق “السويديين” و حسب؟.. ألا يوفر هذا الكثير من العناء و الآمال الكاذبة و الحقائق الزائفة لأولئك المنقوعين إلى الأبد في النزاعات اللامتناهية؟ إن كانت الاستحالة الإجرائية هي ما تمنع حقوق الإنسان عن التحقق, فلماذا العناء بها بالمقام الأول؟ فالتأثير الجانبي لاعتناق عقيدة حقوق الإنسان يكلّف طاقة و دماءاً عظيمة قد لا يُقدَرُ عليها.

للأسف, و عبثياً كفاية, حقوق الإنسان تعتمد على الإنسان, على كائن متفلت غير مردوع عن أي شيء, كائنٍ يرتكب الإجرام الجماعي بين الفينة و الأخرى, أو كما هو سائد أكثر اليوم, كائن جاهل و غير مسؤول—و هو ما لا يقل إجراماً بالنسبة لي— و لا يوقفه أو يوجهه سوى أملنا الميتافيزيقي بامتلاكه نظاماً أخلاقياً ما, كائنٌ محكومٌ بعوامل أيديولوجية و بيئية لا تحصى كلها تتنافس لكي تتحكم بقراره و سلوكه.

دعني أضرب مثالاً أوضح فيه أزمة اليوم الأخلاقية:

كيف يمكنك أن تقنع جلّاداً ينوي إعدام سجينه البريء بـ “حق العيش” للأخير؟ .. حقوق الإنسان ليس من المفروض لها أن تكون موجهة لأنجيلينا جولي و أمثالها, بل إلى هذا الجلاّد تحديداً, صدق أو لا تصدق, حقوق الإنسان تعتمد على أفعال هذا الجلّاد!

لنوسع المثال قليلاً, خلال إعدام سجيننا البريء, يجتمع حشدٌ من مناصري حقوق الإنسان لمشاهدة العملية, و أغلب هؤلاء هم ممن يتمتع بالقوة الكافية للتدخل و الحيال دون وقوع الإعدام, و لكن عجباً! لا يتدخل أحد, و يستمرون بالمشاهدة مذهولين, بل أحياناً يصفقون للجلّاد تشجيعاً و تحفيزاً للمرح و التسلية. في هذه اللحظة, ما فائدة حقوق الإنسان؟ أولا تجعل موت السجين البريء أكثر ألماً بما تحمله من أملٍ فارغٍ زائفٍ معذب؟

لنجعل المثال معضلياً أكثر, دعنا نتخيل حشداً آخر يدخل المشهد, هذه المرة, القادمون الجدد يصيحون مستهجنين عمل الجلاد, و لسبب أو لآخر, لعلها القرابة العائلية مثلاً, هم يقفون على صف السجين البريء, و مندفعون لإنقاذه بحماسة و شراسة, هناك, يقفون بجاهزية تامة بانتظار إشارة واحدة من السجين لكي يتدخلوا و ينقذوه. و لكن, من المعروف عن هؤلاء معاداتهم لحقوق الإنسان و تشكيكهم بها, مما يجعلهم على تعاكس تام سلوكياً و مبدأياً مع الحشد الآخر “الإنساني”. سجيننا البريء يطلق على نفسه لقب “إنساني” و يرى نفسه مناصراً لمبادئ حقوق الإنسان, فيشيح بنظره عن الحشد الجاهز لإنقاذه و ينظر مستجدياً إلى الحشد الـ”إنساني” البليد الذي يشاركه مبادئه, دون أن يتدخل الأخيرون لإنقاذه قط. في هذه الحالة, من هم أصحاب الأخلاق؟ من هم أكثر إنسانية؟ الإنسانويين البليدين المغيبين؟ أم معادي الإنسانوية النشيطين المؤثرين؟ إن كان هناك قدرة للحكم بهم موضوعياً, ألن يكون الإنسانويون البليدون مذنبين كالجلاد؟ ما هو الاختيار المناسب لسجيننا؟ كيف له أن ينقذ نفسه؟

أظن أنه من السهل إبداء الأدوار لشخصيات القصة, فالجلاد هو بشار الأسد( و حلفائه), و الإنسانويون هم مجتمعات العالم الأول, و المعادون للإنسانية هم داعش و أخواتها, و واضح أن السجين هو الشعب السوري.

لم يعد يبدو أن الأخلاقيات العلمانية قادرة على تعبئة الجهد الإنساني في هذا العالم, ما يحصل هو أسوء كابوس لكل إنسانوي علماني حقيقي: العامل الوحيد القادر على التأثير بالعمل الإنساني و التحرري هو التعبئة الدينية المتطرفة. حقوق الإنسان اليوم تعتمد على أكثر الأطراف معاداة للإنسان, سواءاً كانت هذه الأطراف داعشاً أم بشارأسداً. حقوق الإنسان الموجودة لضمان حق المظلوم, محكومة و مقبوض عليها بيد الظالم.

الأطراف العلمانية و اليسارية اليوم بحالة إخصاء و إزاحة نفسية هي الأسوء. هم لا يشاركون بحراك حقيقي جماعي مؤسساتي يملأ الساحة الإغاثية أو السياسية أو أياً كان, و يعتزلون النشاط و العمل, و ثم يتذمرون لاحقاً بأخذ الأطراف المتطرفة لمساحات واسعة من الحراك. بل لضعفهم باتوا يدفعون بنبوئتهم ذاتية التحقيق, فبعدما يقررون عدم المشاركة في الحراك تراهم يقولون “أنظروا! قلنا لكم, ثورة إسلامية متطرفة مختبئة..”.

الفشل الأخلاقي الذي أتحدث عنه هو إنساني على نطاق كوني, أي أنه جماعي و يشمل كل الأفراد في المعمورة. لا أغض النظر عن القصص البطولية الفردية لبعض الأفراد الذين صدح صوتهم لنصرة الحقوق و لربما ماتوا من أجل إنقاذ الآخرين. على الصعيد الفردي, هناك العديد من الأمثلة الجيدة لأشخاص قاموا بواجب عظيم اتجاه الإنسان. لكن على الصعيد المؤسساتي, فإن حقوق الإنسان مهزلة تامة. و حتى على الصعيد الفردي, فإن الأفراد الإنسانويين لا يبدو أنهم يوازون الكفة أمام الأفراد المتعصبين العنصريين الزينوفوبيين.

سنّ الحقوق يعني “الفعل” لا “عدم الفعل”, أي الممارسة الإيجابية و الفعالية و النشاط, لا السلبية و التغييب و التقاعس. التهليل, الصلاة و الدعاء, الإعجاب الفيسبوكي, و الريتويت التويتري, ليس ممارسة إيجابية نشطة أبداً, إنها لعنات و مصائب تؤرق الناشطين حول العالم, إذ يظن الناس أنهم بالدعاء و الريتويت قد أبلغوا دَيْنَهُم و أقاموا واجبهم. لا حاجة لنا بالدعاء و اللايكات الفيسبوكية. ما نحتاجه عرائض شعبية و حكومية, ضغطاً دولياً تفرضه الشعوب, مظاهرات عارمة تطوف بها شوارع المدن في العالم, و دعماً لوجستياً, و تضامناً اجتماعياً, و شراكة فكرية.

تتشارك حقوق الإنسان بنفس المشكلة مع الأخلاق الكانطية, إنها ليست فعّالة إلا عندما يطبّقها الجميع, و هذا فقط واحدٌ من متطلباتها. و بالرغم من أنني أقول عن نفسي “كانطياً”—و يا لسوء حظي في هذه الأيام—فإني أجد نفسي اليوم في موقع ميسأنثروبي misanthropic و ضد كانطي كالذي استعرضته في المقال أعلاه. يوماً عن يوم, يتعزز الرأي فيَّ أن الأخلاق الكانطية و حقوق الإنسان غير قابلة للتطبيق, أتجه يوماً بعد يوم للقول أنها مضيعة للوقت, و أنها مجرد تغزل بمخيلتنا الطوباوية, و احتفاءٌ فارغ بما أطلقنا عليه لربما تحويراً”إنسانويتنا” المميزة عن باقي المخلوقات, في حين أننا على أرض الواقع, يمكننا أن نكون أكثر وحشية من أكثر الحيوانات توحشاً. حقوق الإنسان تعتمد على الإنسان, و هذه هي مشكلتها. هذا لا يعني أنني—أو أننا— يجب أن أقع في فخ الأخلاق الدينية أيضاً.

يدور في خلدي هذه الفترة سؤال ينتقد الأخلاقية الكانطية, التي ألهمت بقوة مبادئ حقوق الإنسان.. هل يمكننا أن نقوم بأعمالٍ أخلاقية إن كنا وحيدين على جزيرة؟ هل يحق لي أن أقتل الحيوانات للتسلية على الجزيرة؟ و أن أجلس فاتراً كسولاً في مغارتي رافضاً ملاحقة الابتكار و التعلم و التفكر من العالم؟

ألا تؤدي الوحدة و العزلة إلى فشلنا بتعميم القانون كونياً؟ هذا نقدي للأخلاق التي أعتنقها, الأخلاق الكانطية, و أي ممارسة “إنسانوية” تعميمية اليوم, فأنا أرى أن الحاجة هي إلى منظومة أخلاقية غير-عاقبية قابلة للتطبيق دون تعميم كوني.

لن ينجع السوريون حقاً إلا إن ابتكروا منظومة أخلاقية جديدة, ليست لهم فقط, بل للعالم بأسره, فلسفة أخلاقية جديدة تتعامل مع تحديات اليوم و تملأ ما غفلت عنه بصيرة الأخلاقيين السابقين, و تراعي الوحدة و العزلة لإنسان الألفية الثانية. قد تكون هذه أكبر خدمة تاريخية يقدمها السوريون للعالم. و الثائر الحقيقي هو من يأخذ على عاتقه هذا الهم الإنساني الكبير. نحن بحاجة إلى فلسفة أخلاقية مبتكرة لا تزاوج بين القرار الأخلاقي و الحقوق, أو القرار الأخلاقي و القانون, أو القرار الأخلاقي و المعنى السيمائي للأشياء, أو القرار الأخلاقي و الجائزة/العقاب, أو القرار الأخلاقي و الحاجة للآخر. الحقوق و القانون و المعنى مبتورون من عالم اليوم, عالمنا على الأقل, إما إجرائياً بعدم القدرة على بلوغ و تغطية الجميع, أو بنيوياً بكونها مغلوطة و استبدادية أساساً, و مثلها الاعتمادية الأخلاقية و الهويوية على “الآخر”. أما العقاب, فلم يعد ينفع, و رفعنا عتبة عدم مبالاتنا بالعواقب. لنتخلص من مذهب المتعة, لا بشكل رُهابي كما يفعل التطرف الديني, بل بشكل معتدل يمكّننا من رؤية العواقب خارج تحوير أيديولوجيا الجائزة و العقاب للعقلية الإنسانية. و إن بدأنا المشروع, التنويري إسمياً, فالطريق مضنٍ و طويل, و يعج بعدمية يجب علينا التعلم عليها, بل سيكون أشبه بتنويرٍ ظلامي.

الاختناق

 

thumb_rjs_art_iafa_man_choking

الاختناق

أمين نور
الحوار المتمدن-العدد: 5388 – 2016 / 12 / 31 – 11:16
المحور: الادب والفن

    للحياة لمسة على المرء كما القطرة الشائبة تعكر صفو ماءٍ صافٍ, فيغدو الماء عكراً بأجمل مشاهد الفوضى. لا شيء يتراءى من الماء أصلاً, ولا شيء يقبل الاستيعاب سوى منظر التعكر الآسر ذاك, تعكر أسود خلاب حد التغزل بالسواد. هنا يمتطي الحكيم جواد أفكاره و يسبر أغوار عقله, ما ذا الذي أرى؟! ما ذا الذي أؤمن؟ ما ذا الذي لا أؤمن؟

    لا قدر ولا قضاء هنا سوى لشر مستطير يتبدى أنه سرمدي الكينونة. شر نسبوي غالباً, مطلقٌ على الأقل, على أمل أن يكون مطلقاً, فلا شيء يواسي عبثية هذا العالم سوى الإطلاق. و ما زالت السذاجة تنصحني بمعاداة الشر, و لا زالت الصفاقة تنصحني بالمحاباة.

    الألم, و أسوء, التخدر عن الألم, مات الطفل لأول مرة, فبكيت, مات الطفل لآخر مرة, فصمتُّ, و بقيت صامتاً مذ يومها. آلامي لا يفجرها سوى أثقل الألحان تجرعاً, باتت آلامي أكثر من الأطراف المبتورة للأطفال اليائسين, بل أكثر من كل الشظايا المتناثرة في الهواء الشرق-أوسطي. أعيش في بعد خامس خاصٍ بي, إسمه ما بعد الألم.

    الدروب كلها دروب آلام, حذائي لي, و الأرض لي, و الرصيف لي, و التراب العالق بين الآجر لي, للأسفل, فقط للأسفل, هنا كنوز البصر, مالي و ما للعلياء من نظر؟ تقيٌ أنا أكثر من التقاة في غض البصر.. على من أنظر؟ على كائنات مثل المنارات الماشية و هي تشع بكل ما أمقت و أكره؟ على شبابٍ ضائعٍ هائمٍ متفسخ منحدر فاسد مدمر, ما علي أن أسمع؟ عن همومهم التاريخية المضنية, هموم شباب المستقبل؟

    الكلمات الحقيقية كلها صرخات مختنقة عالقة عند الحلق, فتُبكم المرء حتى أجل غير مسمى, ولا يبقى سوى الكلمات الافتراضية الظاهرية و الأحرف الابتدائية و بصمات النبرة التعجبية و الاستفهامية و الاستنكارية.

    هنا أرض محكوم عليها باللعنة, أرض ملعونة و كل ما ينبثق منها ملعون, كل جملة تقال في أثيرها لهي لعنات… يتغنون بهذه اللعنات الشبحية, يجعلون منها أشعاراً شجية, ما الشعر و الأدب سوى اللغة التي تتكلم بها اللعنات, لتخرج كل التزلفات و الابتذالات إذاً, “باقون! ما بقي الزعتر و الزيتون!”.. نعم, زعتر و زيتون ملعون. و لما هذا التمييز ضد أهل الصحراء ممن لا زعتر ولا زيتون لهم؟

    “راجعين”, إلى أين؟ إلى وطنٍ غير مسمى بالكاد يتفق إثنان على رايته؟ إلى مجموعة حجارة؟ إلى أبٍ لا يقدر أن يحمي عائلته؟ إلى جيش لا يقدر أن يحمي أبناء بلده؟ إلى أرضٍ بلا بطل؟ إلى بطل مصطنع تعرف أنه ليس ببطل؟ إلى أصوات حمقاء يائسة تهتف للبطل المصطنع؟.. إلى ما تريد؟ أم إلى ما يراد لك؟

    و لعنتي المفضلة “أمة عربية واحدة.. ذات رسالة خالدة..” , عقداً و نيفاً كنت أردد هذه اللعنة دون أن أدري أنها لعنة كبرى, لعنة دبقة, ما الخالد برسالة تلك الأمة؟ ما رسالة تلك الأمة أصلاً؟ هذه لوحدها استحقت ثورة.

    ليقف الزمن قليلاً عند هذا الوادي, عند شتاءٍ أبيضٍ يقاطعه السواد بين الفينة و الأخرى, هذا عملي, أنا أوقف الزمن, أجعله مستمراً, خالداً, متبعثراً في الأصقاع, ليراه كل ما يَرى. آلام أحدهم, أكثر من الخيم البيضاء اللامتناهية هذه, تتصاعد قممها المثلثية مع تحدب القمم على اليمين و اليسار, و يبدو الأفق مستديراً محززاً. مدينة! مدينة من الخيم ما قبل الضباب, كل خيمة فيها من البؤس مافيها من الصقيع. هيا لنبتذل قليلاً “صامدون!” , “إرادة الأمل تبقينا..!”. الأمل هذا, عدوي اللدود, عدو كل ثائر حقيقي, إن كانت الحماقة جناية, فالتأمل جريمة. إن الأمل لا يولد سوى من الأبواق المتلصصة المبتورة الكفاءة, فيرى البوق أن ما من مساهمة يساهم بها سوى التبذّل عن الأمل. ما أعظم من يبقون على قضاياهم بدون أمل.

    “أين أنتم يا عرب؟!” .. عندما يستنجد من أخصِيَت خصيتَه بمن أخصيت خصيتاه. بقايا خصى, تصبح حصى, تهوي عصى, على من عصى, حتى المسا, شهد شدى, شيء بدا, سهمٌ عدى, فاق الخطى, حتى ردى, أين الضنا؟ أين الضنا؟! قصفٌ قَصَفْ, هبدٌ هبد, شدٌ شهد, ضربٌ ضرب, شعبٌ وثَب, قاباً و قَب, نصرٌ ذهب, جيلاً كسد, سادَ و سدْ, شراً صمد, شرٌ كسب, جلجل جلل, زلجل زجل, ذل و ذل, قل المثل, كثر الهزل.

    لنبني ابتذالاً: “هذه الأنفاس لي”, لنتجاهل الوهلة التي أبدو بها كرأسماليٍ جشعٍ و أنا أستملك الأشياء.. “هذه الأنفاس لي”, لهذا أحترم الاختناق, أو ما بات حقاً بالاختناق, ذلك التمسك بكل ما يحاول الهروب مني, بكل ما هو لي و يحق لي الاحتفاظ به. هيا إذاً, لنختنق جميعاً.

    هنا عصر اللامعنى, إهدار المعنى, تبذير المعنى, تشتت المعنى, المعنى مرفوض, بل مرفوعٌ على أس الرفض. كل هذا الكلام المعقود في الأعلى, بالكاد يمكن استخلاص حكمتين أو ثلاث منه, لكنه مع ذلك, يبدو ذا منظرٍ و قد يملك قيمة جمالية. لماذا؟ تماماً لأنني يمكن أن أصنع أي شيء من اللامعنى.

    نهاية الاختناق.

في نقاش الذبح السوري

حدثـنـا غـودو

usrebelssyriabeheadingفداء عيتاني:

في تشرين الاول من العام ٢٠١٢ نشرت منظمة جبهة النصرة (تنظيم القاعدة في سوريا( صورة تظهر احد عناصرها يعدم ميدانيا عددا من جنود النظام السوري الاسرى. تلك كانت لحظة تحول هائلة في الصراع السوري، لحظتها اعادت العديد من مواقع الثورة والجيش الحر والمكاتب الاعلامية نشر الصورة، واثارت الصورة لغطا، واعيد حجبها عن العديد من الصفحات.

View original post 1٬089 more words

الهوية و الماضي

istock_000017046890medium


أمين نور
الحوار المتمدن-العدد: 5094 – 2016 / 3 / 5 – 01:08
المحور: مواضيع وابحاث سياسية

 

إن الماضي الثقافي لشعب ما ليس مجرد وحدة زمنية ذات أحداث و وقائع. إنه ليس مجرد حالة مشتركة بين أفراد ثقافة واحدة, إنه ليس حالة مستقلة حرة, بل يتعدى مفهوم الحرية الشخصية, و يكاد يكون دكتاتورية بحد ذاته تطوق الفرد و المجتمع الحاضر.
إن هذا الطرح خطير أشد الخطورة بذاته. فلست هنا أتحدث عن دكتاتورية المجتمع أو السياسة, أو طغيان الأكثرية, بل أسوء, إنها دكتاتورية قمعت الدكتاتور نفسه و جعلته يرنخ لها. دكتاتورية التاريخ, دكتاتورية الزمن.
أنا إبن جيل سأم أشد السأم من الماضي و ترديد أمجاده الصمّاء, و ثار على هذه الدكتاتورية الثقافية التاريخية, التي احتكرت حاضرنا و هوية الآن, و هو ما ظنناه متجسداً بشكل نظام حزب البعث السوري الاحتكاري حقاً, احتكاراً مؤقتاً, و الذي لم ينضب قط عن تدويخنا بأمجاد الماضي الإسلامي بالرغم من كونه علمانياً إسمياً.
لم يكن الفخ الذي شعرت به هو الفراغ و الشواش السياسي الحالي في سوريا, كل هذه الدماء و القصف و الدمار و الأسلمة و الإرهاب و و و و لا تبدو شيئاً أمام خطورة اكتشافي هذا.
لقد كان احتواءاً للحقيقة المرّة, هي أننا لا نملك شيئاً كأبناء للحاضر, نحن كائنات زائدة, و يمكن الاستغناء عنا, فلم نحقق شيئاً لليوم أو للغد لا لكي يحمينا ولا لكي نساوم به كورقة لشراء حمايتنا من قوىً أكبر. و بالتأكيد, كان هذا الاكتشاف الكئيب دافعاً للنشاط و ترك الفتور و التقاعس, و تعزيزاً للطقوس المازوخية بالاستمتاع بآلام التعب و السهر و الدراسة و القراءة تحت وطأة كل هذه الظروف من أجل أن نكون مجتمعاً أفضل. مجتمعاً ينبذ تعلقه بالماضي(أي لا يعطه إلا حقه المحدود) و يهتم بمستقبله و حاضره.بهذا استطعت أن أشخّص الماضي و مشتقاته كعقبة أكثر من كونه دافعاً.
و لدي فرضيتين لماذا كنا نتغنى بالماضي, قد يمكن التوفيق بينهما و قد لا يمكن:
1. و هي الفرضية الاعتيادية, أن الضعف الناتج عن القمع, ولّد حاجة للتغني بالقوة و الإنجاز للتعويض, و لهذا لا نملك بين أيدينا سوى ذلك الماضي البعيد, عندما كنا و عندما كنا … متناسين أننا نعترف بانتهاء صلاحية السلعة و بأننا “خبر كان” . بلغنا درجة من القمع و القهر جعلتنا متجاوزين لمرحلة الانتباه على أننا نصف أنفسنا بلساننا بخبر كان. و هذا القمع هو ما ولد القبول الاجتماعي للماضي و رفض الحاضر.
2. الفرضية الثانية, أننا ولّدنا لاشعورياً توصيفنا لذواتنا كضعاف و صيصان أمام الحاضر و أبناءاً للماضي, و ذلك كرد فعل على القهر و القمع في الحاضر, لكن ليس لتعويض ذواتنا نهماً وراء شعور بالسيادة و الإنجاز, بل إنه محاولة لممارسة السيادة على القامعين و المهيمنين و الديكتاتوريين. كيف هذا؟ و نحن نصنف مع أكثر الشعوب كبتاً و قمعاً؟ الفكرة تكمن هنا تماماً, إننا باستغبائنا و استضاعفنا أمام المستبد, نعطي ما قد يكون ضوءاً أخضر له بالاستمرار بالحكم و السلطة, لكننا لا نعطيه الشرعية أبداً, إننا بإدعائنا الغباء و عدم السويّة نهدي أنفسنا هدية ماكرة, و هي إنكار شرعية المستبد, فلا يمكن للمستبد أن يستمد شرعيته من شعب غير سوّي نفسياً, كما لا يمكن للمحكمة أن تأخذ بشرعية شهادة المجنون, و لا يمكن للمجتمع أن يعاتب أفعال المختلين عقليا, و كذا بالنسبة للحاكم و المحكوم. أما التمسك بالماضي, فلم يكن سوى حجة مقنعة اتخذناها للتغطية على ممارستنا الـ”شاذة” بنظر الديكتاتور. إننا بهذا نحرم الدكتاتور من العظمة, نحرمه من حكم شعب عظيم و نصرخ بوجه العالم أن هذا الدكتاتور يلعب اللعبة السهلة لا لعبة العظام, بحكمه شعباً فاتراً متمسكناً ضعيفاً, حاكماً من الدرجة الثالثة. و هذا ما قصدته بقولي أن دكتاتورية الماضي أخضعت الدكتاتور نفسه, لا باتباعه لمبادئها و نشرها بين أفراد الشعب, فنحن ندرك أن تغني الحاكم بالماضي “أبرة بنج”, لكن لأنها آلية دفاعية تسلطية للشعب من أجل إهانة حاكمه. على الأقل قد تكون هكذا بدأت المحاولة مع قدوم موجة الدكتاتوريين في منتصف القرن السابق, التي تحولت لاحقاً بشكل غير محسوب مع مرور الأجيال إلى تأكيد على الماضي, بتناسٍ للدور الأساسي الأصلي الذي ينكر شرعية المستبد. قد يكون هذا التحول الغير مرغوب به قد وقع لخطورة استخدام وسيلة ثقيلة مثل الـ”ماضي” لترويض الدكتاتور. و بهذا تولدت هوية فارغة صمّاء تعتمد بشكل شبه كامل على الماضي.*
ثم ما أن يزول دور الماضي قليلاً(كما وصفت أبناء جيلي في بداية المقال), و يحين الوقت لضرورة اتخاذ هوية حقيقية, حتى ترى العجب العجاب من أبناء الشعب. كل الكوابت التي سببها قمع المستبد -السياسي و الاجتماعي- تخرج بشكل قد يكون إرادي و قد يكون غير إرادي, كما يقول المثل بلهجة فظة أكثر “نشرنا غسيلنا الوسخ قدام العالم”. و تبدأ الهوية المعتمدة على الماضي بالتعبيّر بقباحة عن فراغها و خلّبيتها. كل تقيؤ قومي أو ديني أو أيديولوجي مرتبط بالحالة أم غير مرتبط سيخرج و يجد أنصاراً, ليس تعبيراً عن مناصرة القومية أو الدين أو الأيديولوجيا لذاتها, بل اتخاذاً لأي حل محلي مناطقي يعد بالخلاص أو الحل السريع. و أشير هنا إلى المناطقية البحتة الحاصلة بمحض الصدفة, فمثلاً: صادف أن كان هناك بلدة صغيرة بالقرب من الحدود التركية ثارت ضد النظام البعثي و طالبت حرفياً باستبداله بالـ”قرود الزرق” على ألا يبقَ حاكماً, و عندما تمت عسكرة الثورة السورية و أسلَمَتِها, تحولت هذه البلدة بشكل خارج عن سيطرة أهلها إلى عاصمة صغيرة لتنظيم القاعدة السوري(قبل انشقاق داعش عن النصرة), ثم تحول أهلها إلى منتسبين حقيقيين إلى تنظيم القاعدة بالرغم من أن بعض أبناءها قد وصفوا لي أنفسهم ساخرين “و الله ما منعرف الوضوء كيف”. و هكذا بالنسبة للمناطق الكردية, و غيرها من المناطق الدمشقية و الحمصية و و و و ..
و أشير بشكل خارج عن الموضوع هنا إلى أن صراع (القوة) في سوريا, يأخذ منحىً غير شاذٍ علمياً, فعندما تتحول اللعبة إلى تنافس للقوى, فإن القوة الأقوى سوف تطغى على غيرها و “تأكل” القوى الأصغر, سواءاً أكان هذا في مناطق الثوار أم في مناطق النظام. أي أن من الطبيعي للقوى الكبيرة نسبياً مثل جبهة النصرة أن تسيطر على مجموعات أصغر, أو كما حصل منذ فترة في حرب العائلات المقربة من الأسد في مدن الساحل. إلا أن الرؤية الأخلاقية للمجتمع ترى في هذا الأمر علة و عيباً و حالة غريبة و شاذة.
متى ما أصبح صراع الهويات مبنياً على قوىً تتمنطق بقانون الغاب, و تبحث عن أي فكرة أو دعامة أيديولوجية ملهمة لـ”صمودها” أمام بعضها, فلم يعد هناك شيء حقيقي يعبر عن هوياتها, بل لا بد أن تنحرف و تسبح وحدها بعيداً عن الشاطئ, بعيداً عن أم غسان الأرملة في المخيم و أبو إحسان في منزله, و أبو ويليم على شرفته و جوان في مزرعته. إنها بهذا تتحول إلى هوية خلّبية مثل سبيقتها. مثل تعلقها في الماضي. تعلقاً ليس بالحقيقي, و إنما بالمحليّ العابر.
إن كون الماضي بالنسبة لأبناء المجتمعات العربية هو لؤلؤة إنجازاتهم و تتويج لثروتهم الثقافية, لهو أكبر إهانة لهم, و بنفس الوقت مواساة أيضاً, و هذه القطبية المتناقضة التي تودي بمخاطر انفصام الشخصية و التي تَعَوّد عليها إبن المجتمع العربي, تذكرني بمصطلح “التفكير المزدوج” الذي طرحه جورج أورويل في روايته 1984 في توصيف المتلازمة الذهنية التي تعطل المحاكمة العقلية لمن يعيش تحت وطأة الدكتاتورية. و غدى الشاب يكبر تحت وطأة دكتاتورية المجتمع الراضخ المحافظ(الأحمق بنظر الشاب الثائر), و دكتاتورية الساسة, و الأفظع دكتاتورية الماضي الذي صدف أن كان أساس دكتاتورية الثقافة. كل قرار سيء اتخذه من عاش في الماضي, نتحمل وزره نحن اليوم, أبناء الحاضر, و كل قرار نتخذه اليوم, سوف يتحمله أبناء المستقبل… و سيشتموننا عندما تتفتح عيونهم إلى تلك الحقيقة المرّة الفظيعة, نحن, أبناء ماضيهم, كما نحن نشتم أبناء ماضينا.
لا يبدو أن الربيع العربي سيتحقق بتغيير الحاضر و حسب, و إنما يجب عليه تغيير الماضي أيضاً.

* لربما تتأثر هذه الفرضية بشكل ضحل بمبدأ “الآخر الكبير The Big Other” للمحلل النفسي جاك لاكان.

الهوية و ظاهرة خلع الحجاب

371a11a1-40a8-48e9-b010-66f41d1dbba7_877874_large


أمين نور
الحوار المتمدن-العدد: 5090 – 2016 / 3 / 1 – 23:02
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني

تعيش المجتمعات العربية بشتى انتماءاتها الإثنية و الدينية, أزمة هوية طال أمدها, و لعل أحد أهم أسبابها هو عدم وجود حالة انتمائية قوية تعطي الفرد كفايته و تثير ارتياحه و لا تحبطه أو تتنكر لذاته.
عبر تاريخنا, كنا نجرب على المستوى السياسي شيئاً واحداً دون غيره, القومية العربية فقط, أو الاشتراكية فقط, أو العائلة الحاكمة فقط, أو الاتجاه الديني الفلاني فقط. و دائماً ما أهملنا توزع الثقل الهويوي على جميع أفراد المجتمع, و أنا ممن يؤمنون أن الفرد هو نتاج تجاربه الشخصية المميزة عن غيره من الأفراد, و بهذا يكون المجتمع كما أراه حقلاً مزروعاً بأشجار مختلفة, لا مزروعاً بنوع واحد من الأشجار. و أن الحل, أو على الأقل خطوة أقرب إلى الحل هي حصد جميع أشجار الحقل, و السماع لكافة المكونات و الانتماءات, و أن من الحماقة وسوء التصرف حصاد ثمرة واحدة فقط من حقل كثير الثمار, فهذا إن لم يكن حماقة سياسية تؤدي إلى حروب أهلية, فهو بطر و رفض لاستغلال القوة الوطنية.
بجميع الأحوال, لست هنا لمناقشة الحل. إلا أنني ألفت النظر إلى أن مناقشة حلول هذه المسألة أو الـ”مأساة” كما يشار إليها في بعض الأحيان, يجب أن ينظر إليها بأنها حصلت في الماضي المستمر أكثر من كونها حاضراً بعينه. في هذا المقال, ما أريد مناقشته هو نظرتي إلى أزمة الهوية الحاضرة, و محاولة تحليل لها.
لفترة من الفترات, عندما كنت أعيش في سوريا, كنت أظن أن جزءاً لا يتجزأ من كون مجتمع ما مسلماً, أي أن يعرف عن نفسه بدون خوف أو تردد بأنه مسلم, هو أن تكون نساؤه محجبات.
لم أتفاجأ حقاً عندما ذهبت إلى السعودية, أن أحد أهم مظاهر المجتمع المسلم بنظر السعوديين هو التزام نسائه بالنقاب و العباءة, و هو ما يستغرب منه القادم من دمشق أو بيروت قليلاً , المعتاد على حجب الشعر فقط, إلا أنه بإمكانه التعامل و التأقلم مع هذه الظاهرة لاحقاً.
ما تفاجأت منه حقاً, هو نظرة المجتمع التركي للحجاب. المجتمع التركي مجتمع بجميع أطيافه العلمانية أو المحافظة فخور بإرثه الإسلامي و لا يتنكر له, و يَعُدُّ الإسلام إحدى هوياته الاجتماعية (و ليس بالضرورة السياسية), إلا أن نساءه, في الوقت نفسه, غير محجبات. و قد ترى ردة فعل مستهجنة من أفراده إن نعتّهم بمجتمعٍ غير مسلم أو مهرطق أو هاجر للإسلام.
إذاً؟ ماذا يحصل هنا؟ هنا سأقدم ادعائي:
لا يزال موضوع الحجاب أمراً مثيراً للجدل ليس فقط في العالم, بل لدينا في مجتمعاتنا الإسلامية العربية, فلم يتم الاتفاق بعد على ماهية الحجاب, و تترواح الآراء من وجوب التغطية الكاملة لكل قطعة لحم أو بؤبؤ عين إلى عدم تغطية شيء سوى الأعضاء التناسلية و الصدر(قبل أن تسألني من أين لي هذا, يمكنك مراجعة آراء هارون يحيى في الأمر, ذاته الشخص المشهور الذي يروج للإعجاز العلمي في القرآن, هو حرفياً يحلل لبس البيكيني). و لا يبدو على النساء إعجاب كبير بالحجاب, و بالرغم من عدم الاتفاق على تعريفه, إلا أنهن لا يزلن يرتدينه في مجتمعاتنا و يتمسكن به. ثم ما تلبث الفتاة أن تخرج من المجتمع, حتى تخلعه, كما يحصل مع السوريات في أوروبا و تركيا, بنسبة قبول مفاجئة من قبل المجتمع الذكوري السوري هناك.
السبب برأيي ليس مجرد سأم من حر الصيف أو ملل من أسر الحرية و والاختباء و لف و ربط الحجاب كل بضع دقائق. بل أرى أن السبب أعمق بكثير, و يمس أيديولوجية المجتمع, هويته, و ثقافته.
إن هوية المجتمعات المسلمة (حتى لو لم تكن متدينة) كانت مبنية على الأيديولوجيا و التعاليم الإسلامية و الأفكار الشائعة مثل تعاضد المسلمين و وحدة التاريخ و الخ.. و إن شعر أحد من العرب بهشاشة هذه الهوية, فالسوريون أحدهم, مثلي.
تاريخياً, حصل خلط بين الإثنية و الدين. مثلما فعل اليهود, حيث يعتبرون أنفسهم إثنية. و هكذا اعتبر المسلمون أنفسهم إثنية, إلا أنهم نظّروا بها على أنها دين. تنظيراً ضعيفاً هشاً ماورائياً تخليصياً, بعيداً كل البعد عن السياسة أو ضمان المصالح السياسية و الاجتماعية لمتبعيه. ليس هذا مفاجئاً, فقد قام الشيوخ المسلمون في السنوات الأخيرة بحشو رؤوس الناس بعبارة مختصرة خطيرة أن الإسلام هو “كل شيء”, و على الناس أن يتركوا لمخيلاتهم فهم ما يعني “كل شيء”: هو نظام حكم, و قضاء, و تشريع و سياسة و اقتصاد و رأسمالية و اشتراكية و فلسفة و علم و أسلوب حياة و و و و و.. و لم لا يكون إثنية أيضاً. هذه بحد ذاتها هي الثقافة الفارغة, “الخلّبية”.
هذا الضعف و الخلّبية في ذوات المتلقين, توضّح في ظاهرة ترك الحجاب, فلو كان متجذراً بقوة, لما رفضت النساء خلعه.
و لسخرية القدر, و هي نقطتي الأساسية التي أطرحها, أن هذا الضعف في الهوية الإسلامية, هو نفسه ما ولّد حالة التوكيد على الحجاب في المقام الأول. إن ضعف الهوية الثقافية الإسلامية الحاضرة, أثارت لنا ردات فعل أكثر محاولة للتمسك بالجذور لتعويض الضعف, و أودى ذلك بالمسلمين إلى التمسك بالمظاهر الإسلامية, بالاستعراض الإسلامي, لتوكيد الهوية و الوجود و الاعتبار للذات, مثل التمسك المفرط بالحجاب, الذي يذهب إلى حد التنقب. و هذا التمسك بالمظاهر, هو بالتأكيد إحدى العلامات الكبرى المحزنة لانهيار الأيديولوجيات و الثقافات. و على عكس ما يروج له بعض المثقفون في الشرق و الغرب, فإن النقاب ليس محاولة لإخفاء المرأة المسلمة و كبتها في المنزل, بل على العكس, محاولة لتوكيد وجود المسلمين, إنه محاولة لاستعراض ما يميز المسلم عن غيره, “أنا هنا, أنا مسلم, أنا أتحجب, أنا فريد من نوعي”. أضف إلى تعكر براءة المسلمين بعد طول الحروب الداخلية و الخارجية, و غدى أي توكيد للهوية, لا يأتي إلا بممارسة شيء من العنصرية و العداء تجاه المختلف. و هذا المختلف قد يكون جارنا العلوي, أو زميلنا الشيعي, أو صديقنا الألماني. و أرى أن دليلاً على صحة كلامي, هو ظهور فيديو اشتهر في الآونة الأخيرة, لفتيات بريطانيات مسلمات منقبات, يتكلمن عن نقابهن و يدافعن عنه و يعرضن الحجج المضادة لمنتقديهن, مستخدمين لهجة التحدي و الاستفزاز, لهجة المواجهة. و أحياناً لهجة التذلل و اتخاذ وضعية الحمل الوديع. الفيديو شهد إعجاباً كبيراً للمسلمين حول العالم. و عرض المسلمين على أنهم نوعٌ من الإثنية. و استخدمت هذا كدليل على طرحي, بأن المسلمين يريدون إعادة الاعتبار و التوكيد على وجودهم, يريدون اعتباراً لهويتهم, و يظنون أن الإسلام النِقابي البرقعي سيكفيهم ليكون هوية محترمة أمام ذواتهم و أمام الـ”آخر”.
لماذا يفتخر الأتراك بإسلامهم دون أن يتحجبوا بالضرورة؟ لماذا لا تخلع المرأة التركية المتحجبة حجابها عندما تذهب إلى ألمانيا, بلدهم الثاني بعد تركيا؟ برأيي, لأنهم علمانيو الاتجاه. و لأن ثقافتهم و هويتهم غير محتكرة لصالح الدين فقط, المجتمع التركي بالرغم من حداثة عهده كوّن ثقافة أنجح من الثقافة العربية التي تصدعت رؤوسنا بأنها ضربت أعماق التاريخ. يمكن للتركي أن يكون مسلماً علمانياً أو مسلماً ملتزماً, يمكن أن تكون المرأة التركية مسلمة محجبة أو مسلمة غير محجبة, و لن يرمقها أحد في الطريق بنظرات مغبونة لأنها بلا حجاب. يمكن أن يكون التركي غير مسلمٍ بل غير مؤمنٍ أبداً, إلا أنه يبقى تركياً. و لحد ما قد لا يعجب البعض, يمكن للكردي في الآونة الأخيرة أن يكون كردياً بشكل محدود. الفكرة هنا بوجود تنوع في الخيارات لاتخاذ الهويات المتعددة لتعطي الإنسان اكتفاءً ما. و الدولة هنا تمارس الحياد الإيجابي تجاه المؤسسات الهويوية تلك, ليس بشكل مثالي, إلا أنه الأنجح في المجتمعات المسلمة. و أحب أن أتخذ من الأتراك مثالاً, لسأم مجتمعنا من الاستشهاد بالغرب الأقصى دائماً, و عدم استشهادنا بمثال أقرب لنا و بذات الوقت يستحق الاهتمام.
إن نظام الإقصاء الكنسي في العصور الوسطى (الـExcommunication) لا يزال معشعشاً في المجتمع العربي المسلم(سواءً كان متديناً أم لا), فبعد نجاح أي قوة في بلادنا و وصولها إلى موقع الهيمنة, ما تلبث أن تحدد الهوية المصطفاة, المختارة, و بعض الهويات المقبولة الأخرى التي تصنف على أنها درجة ثانية و ثالثة, حتى هذا التحديد الأخير يتم ببخل إذا ما تم أصلاً. و أي هوية أخرى مهما كانت سلمية أو فعّالة, تتعرض للمحوِ و القمع. و معها تمحى أجزاء كاملة من تجارب و شخصيات السكان. و تنتهي الهوية الواحدة المنفردة بعد فترة إلى مجتمع متهافت, فقير فكرياً و ثقافياً, حتى و إن كان هذا المجتمع بعمر الخمسة آلاف سنة. مجتمع من الفتور و الكسل و القنوط و التقاعس و الماورائية و الغيبية و القدرية و المعجزات التخليصية, و الأخطر من هذا كله, الخوف من النشاط و الحركة. و أميّز هنا بين قمع الدولة و قمع المجتمع (الإقصاء المجتمعي), الإقصاء المجتمعي هو مقصدي الأول هنا, فقد يكون أخطر من السياسي, و أؤيد القائلين بأن المجتمع المتسامح يحاكي شكل السلطة, فإن كانت السياسة ديكتاتورية ينتهي المجتمع ليكون ديكتاتورياً إقصائياً مثلها. بهذا يكون أفضل أداة مجانية مساعدة للطغمة المتسلطة. إنه نصر للديكتاتوريين حتى و إن تم إسقاطهم, نصر مستمر جارٍ.
بلهجة أقسى, إن خلع الحجاب في مجتمعنا هو أحد مظاهر ترك الفتور و القنوط و الماورائية و القهر و الإجبار, محاولة لترك هوية مزيفة خيبت الآمال, اعتراف للمرأة أمام ذاتها أولاً و أمام العالم ثانياً بعدم وجود هوية لها, أو فقدان جزء من هويتها, و أنها بدأت تبحث عن ما يغني وجدانها و يمثل ذاتها بشكل حقيقي غير مفروض مسبقاً, إنه تعبير عن رفض الهوية القديمة الفاشلة (جزئياً على الأقل). و قد يكون عملاً ينم بنظرها عن شجاعة حقيقية للقيام بنشاط و حركة و بدء في التفكير المستقل. شجاعة زائدة غير مرغوب بها كما يراها المحافظون, لكن, على الأخيرين أن يدركوا, أن هؤلاء النسوة اليوم يعبّرن بأقسى التعابير و اللهجات و النبرات عن بيت الشعر المشهور “ما كانت الحسناء ترفع سترها لو أن في هذي الجموع رجالا”. ليست الرجولة هنا, الشجاعة الذكورية التنمرية و نفش العضلات المفتولة و تربية الشارب و الإقدام الشجاع إلى الموت, بل الرجولة هي في إقامة ثقافة حقيقية تكفي المرء كرامته و ذاته و تنافس الثقافات الأخرى بالتمدن و الرقي دون خجل أو خوف, الإقدام الشجاع على الحياة, هذه هي الشجاعة الحقيقية.

سوريون و لسنا عرباً


أمين نور
الحوار المتمدن-العدد: 5039 – 2016 / 1 / 9 – 22:10
المحور: مواضيع وابحاث سياسية

استطاع تاريخنا الأسود بأنظمته القمعية التدجينية إقناعنا بأن انتماء شعبٍ يتم استخلاصه من جنسية اللغة المحكية. و بكل سذاجة – و وقاحة- قامت تلك الأنظمة بتلقين شعوبنا المغلوبة على أمرها, تلك العقيدة الساذجة, حتى تشرب بها المجتمع, الكبير و الصغير, المثقف و الأمّي. “كذبوا الكذبة و صدقوها” كما يقول الملعون بشار الأسد.
فأصبحنا نرى مثقفينا يستغربون من انتماء مواطني الهند إلى الهند, بالرغم من أن الهند تتكلم مئات اللغات, و يستغربون بذات الوقت من عدم توحد العرب بالرغم من انتماءهم لنفس اللغة. وا حسرتاه على مثقفينا عندما تقبلوا هذه السذاجة بالتفكير, و ظنوا حقاً أن اللغة هي ما يحكم الانتماء. كيف كان لهم أن يتجاهلوا التركيبة الأوروبية مثلاً, فألمانيا و النمسا كلاهما يتكلم ذات اللغة, لكنها دولتين مستقلتين, و يفتخران باستقلاليتهما و علاقاتهما الطيبة في ذات الوقت. بريطانيا و أمريكا و كندا و أستراليا, كلهم يتكلمون ذات اللغة, إلا أن كلاً بانتماءه الخاص و سياسته الخاصة.. في الحقيقة إن حجة الانتماء باللغة قد تكون أكثر الحجج سذاجة.
أما السبب الآخر الذي يعتنقه دعاة العروبية, أو دعاة أي انتماء, و الذي ينتمي لحالة أكثر منطقية لكنها أقل واقعية و عملية, و هو “وحدة الآمال و التاريخ”, و الذي أعتبره شخصياً شرطاً أقرب منطقية من سبيقه في حال كان صحيحاً. لكن..
ينتمي هذا الشرط في الحقيقة إلى خانة الميتافيزيقيا, فهو يفترض مسبقاً ما انتهت منه الدول الغربية منذ عشرات السنين إن لم يكن منذ قرون, ألا و هو الإجماع(الشراكة في الرأي), حيث توصل الغرب إلى نتيجة مفادها: “لا يوجد إجماع على أي شيء, و ليس على المجتمعات أن تتعب نفسها في البحث عن إجماع, إن من الحماقة إزهاق الطاقات في البحث عن إجماع”. كانت هذه الطريقة في التفكير هي ما يمثّل الانفصال عن الميتافيزيقيا و نسيانها إلى الأبد, و اعتناق الفكر “السياسي” الواقعي, أو كما يقول أعظم فيلسوف سياسي في القرن العشرين جون راولز “Political, Not Metaphysical” . لهذا, فبهذه الكلمات التجريدية, الانتماء من أجل هدف يجمعنا ليس حجة صالحة, لأنه لا يوجد في هدف يجمعنا جميعنا.
لكنني لست هنا لأضيع القارئ و أتحدث بهذه اللغة التجريدية, بل أدرك تماماً أنني أوّجه خطابي إلى مجتمع شرقي, متشرب بالميتافيزقيا حتى أخمص قدميه, حتى علمانيه و لادينيه, و لهذا, فسوف أخاطبه بشكل يفهمه أكثر. هل هناك حقاً آمال مشتركة و تاريخ مشترك؟
حسناً, إن كان هذا حقاً, فقضية استرداد الأهواز من إيران لا تعني العراقيين وحدهم, و إنما تعني باقي العرب حتى جزر القمر.. و هل سكان جزر القمر معنيون بهذا الأمر حقاً؟ و يشعرون بالحمية لاسترداد الأهواز؟ أين المنطق من هذا؟.. لكن السؤال الأكبر, هل كافة العراقيين –ألا و هم المعنيون المباشرون بالأمر- مهتمون باسترداد الأهواز؟ و أعرف الجواب و متأكد منه “لا”, فقابلت من العراقيين من هو غير مهتم ولربما لا يعرف تسمية مدينتين من مدن الأهواز “المغتصبة”. ماذا عن أهل الأهواز نفسهم, هل هم مجمعون على العودة إلى حضن العروبة؟
و قس على ذلك باقي “الآمال” المزعومة بالتوسع و الطرد و الغنى و ذل الأعداء.. سترى أن كل بلد من البلدان التي يُطلق عليها عربية, لديه آماله و أحلامه الخاصة, و أعداءه الخاصين به, و لا يبدو أن هناك شراكة في شيء سوى في الاختلاف.
لكن يسأل أحدهم, ماذا عن إسرائيل و فلسطين؟ و التي قد تكون أكثر قضية يُجمع عليها العرب! لعلني لست وحيداً بعد اليوم –و الشكر يعود للثورة السورية- من يرى نفاق معتنقي “النضال الفلسطيني”. في الحقيقة لم تكن فلسطين و تلك القضية سوى شماعة تُعلق عليها المجتمعات العربية نفاقها. فإن كانوا حقاً يرون في تحرير القدس هدفاً مشتركاً, فلإن العرب أكثر الشعوب في التاريخ تقاعساً و نبذاً لتحقيق أهدافهم هذه. و أما أنا, فأرجح السبب القائل بنفاق السياسات العربية و جعل “فلسطين” مجرد هتاف أصم لا يسمن ولا يغني من جوع, و يهدف لتجييش و تحمية الشعب و وسيلة لتخديره و تصدير حقده.
إسرائيل في حالة سلام مع جميع الدول العربية, و لا يبدو أن من مصلحة أي دولة أن تكون على حرب معها, أضف إلى أن جميع الأراضِ التي حازتها, شرعية نسبياً, إذا تمت حيازتها بصكوك تملك و اتفاقيات هدنة بعد الحروب خسرها العرب, أجدادنا و أباؤنا, لم نخسرها نحن و لم يكن ذنبنا أو وزرنا أن ساهمنا في تلك الخسارة, و لا أرى نفعاً في تعريضنا لخسارة أخرى و همٍ آخر على ظهورنا. ليست المشكلة مع إسرائيل نفسها بعد اليوم, فإسرائيل اليوم أصبحت واقعاً, و حتى “أبو عمار” وافق على التنازل عن فلسطين و الإبقاء على الضفة الغربية و الاعتراف بإسرائيل, فكفى للعرب نفاقهم, الأزمة الإسرائيلية الفلسطينية انتهت, و ليس عليهم ولا علينا إشغال البال بها. عسى أن نوظف هذه الطاقات في أمور بناءة أكثر.
و في الحقيقة, فلا أرى إجماع العرب على تحرير القدس بعد اليوم. فيكفي التيار الذي أمثله, و الذي يريد السلام و التقدم لكلا الإسرائيليين و الفلسطينيين, ليكسر أي وفاق مزعوم بين العرب حول هذه القضية.
ماذا عن وحدة التاريخ؟ إنها أكثر حجة تخدش القلب, فبكل وضوح, أهل الشام يختلفون عن أهل السعودية, و أهل المغرب يختلفون عن أهل الأردن, و مع ذلك, يُقال عنهم جميعهم أنهم عرب, و لربما إحدى المآسي الكامنة التي لعبت دوراً في تفجير الثورات العربية هو عدم القدرة على استعراض الهوية, و يئسِ الكثيرين من نسبهم إلى شيء هم ليسوا عليهم.
و ما هو أقرب إلى الحقيقة, أن التاريخ من بلد إلى بلد يختلف, و لا يوجد تاريخ مشترك حتى بين الأخوين التوأمين!, فما بالك بدول مختلفة بحدود مختلفة و سياسات مختلفة و ماضٍ استعماريٍ مختلف, و طرق حكم مختلفة!
فإن وحّدنا الإسلام تاريخياً, و هو حالة مشتركة واحدة, فهذا لا يعني أننا نشترك في كل شيء, على هذه الحال, لقلنا عن الأتراك عرباً و عن الأندونيسيين عرباً و عن الأوروبيين روماناً و عن الآسيويين مغولاً.. الخ
ليس ما أدعو إليه من إنفصال السوريين عن العروبة هو دعوة عنصرية, بل أخشى أن تتحول إلى عنصرية, و إن تحولت مستقبلاً فإنما هذه شوائب من الفكر السابق المرفوض أرجو أن تزول بسرعة عندما يعي المجتمع سبب وجودها. إنما ما أدعو إليه هو أن نكون نحن فقط, و أن يتم التعريف بنا بما هو أقرب إلى الحقيقة, سوريون, نتاج لسيرورة تاريخية من عدة تجارب و حضارات, العربية و الكردية و التركية و الآشورية و الكلدانية و الآرامية و السريانية و التدمرية و الرومانية و الاستعمارية و المسلمة و المسيحية. و أن نفتخر بكل هذه الانتماءات دون تفويت الآخر. فلا شيء يولد العنصرية أكثر من احتكار هوية الانسان لصالح هوية أطغى, و قمعه عن أدنى قدراته الإنسانية, و هي محاكمته العقلية بماهيته.
إن سورية جديدة, لن تكون مترابطة دون هذه التعددية, و هذه التعددية ليست حلاً مطلقاً, فأنا أحاول أن أنبذ اللهجة “المخلصية” التي كانت الأنظمة العربية تتبعها, و إنما أحاول التركيز على ما قد يساهم بالحل, فالأكراد مثلاً في حالة هياج دائم, و السُنّة في حرب طائفية مع العلويين من الصعب أن تلتئم جروحها, و العلمانيّون في خلاف عميق مع الإسلاميين, و أزمة الهوية تتعاظم و تتعاظم, و ما يزكيها سوى إنكار هوية الآخر, و تقبل الآخر ذاك لربما يكون ماءاً طيبة على نار تتوق لما يطفئها.
و أما عن المنظرين في القومية العربية, و الآباء المؤسسين لسوريا, ذوي الميول الإنسانية, مثل هاشم الأتاسي و برهان غليون و الطيب تيزيني و أمثالهم.. فكم أكنّ لهم من احترام و تقدير, و أشجب كل من ينكر فضلهم. إلا أنهم طوال مشوارهم كانت مساهماتهم بأغلبها مجرد “تسكيج” للعطل, و محاولة لإرضاء حاضرهم, متناسين مستقبل الأجيال القادمة الشابة, مثل أجيالنا, و التي ستفقد التأثير الفكري ذاك, و إن تأثرتْ به فستكون في ظروف لا تسمح لها بالاقتناع به, و إن اقتنعت به فستجد تطبيقه حالة خيالية بعيدة عن العملية والمنفعة. و لربما استخف هؤلاء المثقفون أو أساؤا التقدير بإمكانية الشعب و الشباب على التفكير بهذه الطريقة, ربما لعدم معالجتهم للمعطيات الناتجة عن ردات الفعل المتطرفة في الشرق الأوسط, و لم يحسبوا قدماً لحالة مثل هذه الحالة.
إن قدرة السوريين على المجاهرة بهويتهم الحقيقية و تشجعهم لرفض ما لا يظنون أنه يمثلهم و يرمز لهم, هو إحدى الخطوات المهمة و الأساسية في الإصلاح الاجتماعي.
لا يمكنني التغاضي عن شرط إسقاط “العروبة” من الهوية السورية الجامعة, فليست العروبة ما يجمع السوريين, و إنما السوريّة هي ما تجمع العرب السوريين.
و لربما قد يُطرح نقد حقيقي عن الفراغ الاجتماعي و التاريخي الذي سينتج عن ترك العروبة, إلا أنني أقول, أن فكرة وجود هذا الفراغ ما هو إلا خيال في عقل المجتمع, و ذلك بسبب التدجين الطويل, و إلا فكيف نجح الأتراك في نبذ “العثمانية” و الانفصال عن العروبة و الفكر الإسلامي, بل نجحوا في تغريب تركيا و تغيير أبجديتها و لغتها.
و في أية حال, مجتمعنا الآن في حالة الصفر, منهار بالكامل و في حالة فراغ أصلاً, و لن يقدم أو يأخر إعادة هيكلة نظامه الاجتماعي. أضف إلى أهمية أن ينبذ المجتمع تعلقه بالماضي, و يتحفز ليبني مستقبله أكثر و أكثر.
كفانا بحثأ عن مخلصين و انتظاراً لحلول خيالية, و لنكن أكثر سياسية و بصيرة, نحن من يصنع ذواتنا و لا أحد سوانا. فلنكن نحن, حقاً نحن.