نقد للهوية السورية الوطنية

يغيب عن الساحة السورية النقاش الكافي والوافي في أحد أهم مواطن الضعف التي يعاني منها السوريون، إذ كانت لمسألة الهوية الوطنية مساهمة ما في كل المشاكل السورية الواقعة على تقاطع الدولة-المجتمع. وقد حظيت معظم النقاشات الأخرى (الجانبية أحياناً) بمقدار أكثر في التساجل، على حساب الاستعجال في “ضبضبة” مسألة الهوية الوطنية عند أول حل (كسلاً) أو أول تحدٍ (حساسيةً وتعباً). لسبب أو لآخر، كانت مسألة الوطنية مساحة للمزاودة، أي النقاش غير الجدي، واتُخِذت على إثر ذلك قرارات لَوت الهوية السورية حد الكسر، إلى أحلام بعيدة، وآلام لا يتشارك فيها الجميع، وآمال لا يرى قيمتها كل من تلقاها، فكانت وحدة الأحلام والآمال والآلام أسطورة وثنية معاصرة من المعاناة الفارغة التي لا تُبلغ. وقد نشأت العديد من البدائل التي، أسفاً، لم تنتبه إلى حملها ذات المشاكل. لم يكن هذا سوى عارضاً لنفس المتلازمة، غياب المشروع النقدي الذي يحلل فعلاً الهوية الوطنية والذي يشارك فيه مناقشته الطيف الأوسع من حاملي الهم السوري. هكذا، يتكون كل مشروع نقد من تحليل وتأصيل وتجريح وضبط للمعاني ومفاضلة متخفية يمررها الكاتب حسب رأيه، ولا يرتقي لكونه “مشروعاً” إلا عندما يتجاوز الفرد (أي كاتبه) ليغدو موضوعاً أساسياً للتساجل العام في زمانه.
نسأل في هذه المقالة في دعوة لبدء هذا المشروع: ألا يجب أن نفتح المجال لاعتناق هوية غير وطنية؟ هل نحن مستعدون لدفع ضريبة الهوية الوطنية؟ ألم نُعطى “وطناً” بحدود مصطنعة، فكيف إذن تكون هويتنا الوطنية سويةً من الأساس؟ ألم نملك تجارب تاريخية ناجحة لدول غير وطنية في جزئنا من العالم؟ وهل للوطنية علاقة بشكل الحكم من الأساس؟ وبأية عقلية نستطيع أن نقترب لحل هذه المسألة؟ تتوزع الأجوبة على كامل مدى هذه المقالة.
ورطة الحداثة والوطنية
صنعت الحداثة إنساناً جديداً، مختلفاً عن الإنسان المتجذر في الطبيعة والذي عاش معظم التاريخ، إذ جعلته رهينة لبنى تقنية وقانونية واقتصادية مصطنعة، وقولبت البيئة البشرية على نحو جعلت الاستمرارية والنجاة أمراً اعتمادياً عليها. مثلاً، فيما كان إنسان ما قبل الحداثة قادراً أن يعيش بالزراعة أو الصيد أو قطف ما تيسر من خشاش الأرض، حُرم الإنسان المعاصر والمتمدن من هذه القدرة، فلا يستطيع إنسان المدينة أن يزرع أو يصيد ما لم يمتلك أرضاً مفروزة ضمن صكوك امتلاكية معينة، أو إذناً للصيد وحمل السلاح، أو هوية تعريفية ورقية تتيسّر معاملاته كلّها على أساسها.
بعبارة أخرى، اضطر الإنسان أن يخرج من طبيعته تلك، ليحقق متطلبات مصطنعة من كيانات مصطنعة. هذا ما فتح باباً لمشاكل جمة أثرت على السلامة الفردية والذهنية والاجتماعية للإنسان. خذ مثلاً مشكلة كالتشرد، هي مشكلة حديثة بامتياز، فقد كان التشرد سابقاً يقتصر على أصحاب الإعاقة وما شابههم، فيما كان كل رجل بالغٍ مُستطيعٍ قادراً على أن يصيد أو يزرع أو يعمر كوخاً في الغابة ليأويه دون مانع بشري ظاهر أو شفاف. أما اليوم، فقد بتنا نرى في التشرد أناس يشبهوننا، بالغين وعاقلين وقادرين جسدياً على أن يعيشوا حياة كريمة، لكنهم فشلوا لخلل ما في الإدارة والبيروقراطية، ووقف الأمر الواقع ضدهم في سعي لزرع أو قطاف أو بناء. هؤلاء هم ضحاياً الحداثة واقتلاع الإنسان من طبيعته، منعوا حتى من غريزتهم في سعيهم للحياة والبقاء، وقُوِضَت ملكتهم الطبيعية بسبب ظروف مصطنعة. وفيما حملت الحداثة إيجابيات عديدة، لكننا معنيون للآن بتسليط الضوء على سلبياتها وضحاياها، فقد نكون منهم.
بعد منعطف الحداثة الإجباري، انقسم الواعون لمشاكلها إلى معسكرين أساسيين في حلولهم: أراد أنصار الأول محاربة النار بالماء، وذلك بمحاولة إلغاء آثار الحداثة ما أمكن والعودة إلى الإنسان الطبيعي والعضوي. وأراد أنصار الثاني محاربة النار بالنار، وذلك بمحاولة ضبط آثار الحداثة ما أمكن باستخدام أدوات اصطناعية إضافية جديدة.
ويصعب الحكم معيارياً أي معسكر هو الأفضل، إذ أن كلي المعسكرين يحملان نية حسنة في معظم الأحيان، كما أن كليهما يحملان محاسن ومساوئ تجعل من المقارنة المعيارية أقرب للتعادل. فهنا، أخرج عن الحكم المعياري وألجأ للحكم العملي، أي فهم أيهما أقرب للتطبيق.
لقد أتت الدولة المعاصرة كأهم تجسد للحداثة تلك، وأصبحت المشاريع العملاقة إحدى علل وجودها، أي تلك التي لا يمكن لإنسان وحيد (أو حتى قرية وحيدة) تنفيذها، بل وتجعله رهينة لعالم مصنطع لا يستطيع النجاة دون المشاركة بصناعته، مثل تعبيد الطرقات أو ربط البلاد ببعضها عبر سكك حديدية أو تمويل الأبحاث العلمية والتكنولوجية الخ. وضعتنا الدولة الحداثية فعلياً في خانة اليَك، في ثنائية “تأقلم أو افنى”، وفي نفس الوقت احتكرت أدوات التأقلم تلك. وكان الزمن كافياً أن تزيد هذه المظاهر بما يكفي لتقطع خط اللاعودة، فقد بتنا متعمقين بمظاهر حداثية معينة ومثيرة للكآبة (كالتوسع المديني العمراني) ما يكفي ليجعل الالتفاف والعودة من هذه النقطة (كما قد يريد أنصار المعسكر الأول المذكور أعلاه) أمراً مكلفاً وخطيراً، واستثماراً خاسراً يحتاج “اصطناعات” جديدة وثقيلة لتحقيقه (ما يدخل تناقضاً وضعفاً في حجتهم)، والتي قد تكون أكثر كلفة من اتخاذ الخط البديل، أي المضي بالاعتراف بالواقع المصطنع، وابتداع اصطناعات جديدة لضبطه وإدارته.
في هذا السياق حدثت الوطنية، هي فكرة اصطناعية لواقع مصطنع قام بها أنصار المعسكر الثاني. كان المأمول منه تسهيل وقع الحداثة على الإنسان، وضبط الإيقاع الذي تتغول به إلى حياتنا (بدلاً من مقارعته ومحاربته كما استمر بذلك أنصار المعسكر الآخر).
الهوية الوطنية: بدعة حديثة مصطنعة
في نفس الفترة الزمنية تقريباً منذ حوالي 250 سنة، لم تعد الهويات العضوية كافية لملئ الفراغ المعنوي والرمزي عند المرء. فظهرت في أمريكا وألمانيا، والأهم: فرنسا بدعة الفكر الوطني، وهي مفهوم مجبول ومصنوع في غرف مغلقة بعد التشاور والتناقش والتساجل (أما أنهار الدم والحروب فقد وقعت بعد تقرير الهويات الوطنية، أي حدثت الوطنية أولاً ثم الدماء ثانياً، لا العكس. بكلمات أخرى، ليست الوطنية مفهوماً عتيقاً ولا طبيعياً عضوياً، بل هي بناء اجتماعي أتى بعد جهد واستثمار مقصود. واجهت كل من تلك الشعوب تحديات سياقية خاصة بها أدت إلى اعتناق كل منها إصداراً مميزاً للوطنية، وكانت هذه الاستجابة المتعددة الوجوه صفة من صفات الوطنية بشكل عام كنطاق مرن وحيوي جديد، فقد تجسدت كفدرالية مدنية في أمريكا، ومركزية مدنية في فرنسا، وفدرالية شعوبية في ألمانيا.
وقد اجتمعت جميع هذه الوطنيات الأولى بفتيل ولادتها، إذ أتت كلها كرد فعل اتجاه قمع حكومي أجنبي أو محلي. فقد أجبر الظرف السائد وقتها مجموعة مختلفة من الأشخاص المبعثرين على التنسيق فيما بينهم بشكل يسمح لهم بمقارعة التحدي القائم والتحرر من القمع الذي يعيشونه. ولما تبينت فعالية هذا النهج ولما بلغوا كيمياء كافية من التناغم مع الآخر المختلف، توسعوا للاتفاق على أكبر درجات التنسيق في المجال الأكثر اصطناعاً بشرياً (القانون)، أي سن القوانين بشكل مشترك لحكم ذواتهم كما يرون، بكلمات أخرى، وجدوا أنفسهم في لحظة كانوا فيها مهيّئين لتقبّل الآخر شريكًا في سنّ القوانين التي تمسّهم هم، لا الآخر. كما اتفقت جميعها على ضرورة إعادة تأهيل الماضي المرفوض والمستهجن سابقاً واحترام تجارب السابقين الأولين من الأجداد بأخطائهم (اعترافاً وتعلماً) ومحاسنهم (استلهاماً واستحضاراً).
نوعا الهوية الوطنية: الوطنية المدنية Civic Nationalism، والوطنية الشعوبية Völkism

وقد تطيفت الفكرة الوطنية إلى عدة أطياف، لعل أهم ما يعنينا منها هو الطيف الذي أوله شعوبي/إثني وآخره مدني/سلوكي. ولا أذكر هذا الطيف بالذات إلا لأنه كان الأكثر تأثيراً في سياقنا السوري، إذ انتقلنا بحدية من طرف إلى طرف خلال رحلة تشكلنا. ل
فالوطنية الشعوبية هي النظرية التي ترى بالهوية استحقاقاً أوتوماتيكياً بالولادة يتمتع به من يملك صفات موروثة معينة، كالتكلم بلغة محددة، أو الانتماء لجماعة ثقافية بذاتها دون الأخرى، أو الاشتراك بالسلف والذاكرة الجمعية. فهي بذلك أقرب للانتماء العضوي.
بينما الوطنية المدنية ترى بالهوية اكتساباً بعد جهد وإسهام صادر عن رغبة ذاتية بتأدية واجبات محددة اتجاه الصالح العام، أقلها دفع الضرائب، وأعلاها الخدمة العسكرية والمدنية، وفي المقابل يحظى المواطن بمجموعة من الحقوق التي تضمنها له المؤسسات العامة. فهي إذن أقرب لتكون بنية مصطنعة.
تصدرت فرنسا الواجهة في الوطنية المدنية، فيما اشتهرت ألمانيا بريادتها للوطنية الشعوبية. وليس من الحكمة الاستعجال بالحكم على صحة أحدها دون الأخرى. ففيما تتلافى الحالة الفرنسية إقصاء الأقليات الهوياتية بشكل مقصود، إلا أنها قد تقع في فخ الشمولية الكونية، أي، مدفوعة بالظن أن قيمها الوطنية حيادية وعالمية، تفرض رؤيتها الوطنية على جماعات لم تقتنع بهذا الموقف بعد. في المقابل، ترى الطريقة الألمانية حدوداً بين الشعوب المختلفة، فهي ترى وقوع الاختلاف أمراً طبيعياً، بل تدعو للحفاظ على هذه الفوارق حتى ولو كانت إسمية أو منسية، وتصبو التجانس الثقافي/العرقي ما أمكن.
وتخبطت مجتمعات الشرق بين هذا وذاك بدءاً من لحظة تغلغل الوطنية إلينا، فها هم العثمانيون يتأرجحون بين محب للفرنسيين ومحب للألمان، ليستفرد التيار الأتاتوركي في نهاية المطاف على طريقة ألمانية بوضوح.
أما سوريا، فقد حظيت بمعاملة خاصة، لأنها (مع لبنان) قد تكون الوحيدة—من بين كل هزائم العثمانيين التاريخية—التي انتدبت لفرنسا مباشرة، بدلا من إعطائها بلداً أقل حدية، كالبريطانيين أو حتى الحكم الذاتي المحدود. هكذا، لحقت سوريا بأم الوطنيات المدنية المعاصرة، وأصبحنا جزءاً من مشروعها الكوني، وهذا ما كان حتى قبيل الجلاء. لم ير الرعيل الوطني السوري في تلك الحقبة مشكلة في اعتناق المدرسة الفرنسية ضمن الكيان السوري المصطنع، لأن الهوية والدولة بنظرهم حالتان مصطنعتان، ولا تناقض في ذلك.
لم يكتمل المشروع الوطني على الطريقة الفرنسية، ولا نعرف كيف كانت لتكون سوريا لو استمر، فقد لقي محبو الطريقة الفرنسية (حتى لما كانوا استقلاليين) صعوبة في صد الحجة القائلة أن هذا الأسلوب الوطني هو أسلوب المُنْتَدِب المحتل العدو. فكانت الضربة القاضية على يد ميشيل عفلق، الذي نجح بتغيير (مكلفٍ) للمشروع ونقله للأسلوب الألماني.
وقد استشرت آنذاك العديد من البدائل (الألمانية الهوى) التي طرحت رؤيتها، فقام القوميون العرب (والبعث أشهرهم) برسم خريطة للهوية الوطنية تشمل كل ناطق بالعربية من خوزستان الإيرانية مروراً بجنوب خط الاستواء (جزر القمر) وانتهاءا بالمحيط الأطلسي (موريتانيا). فيما طرح القوميون السوريون رؤية أضيق قليلاً، تشمل شعوباً اختارها أنطون سعادة لتكون “سورية”، شملت خوزستان (أيضاً) والكويت حتى قبرص.
ومما أجمع عليه دعاة المدرسة الشعوبية رفضهم الكيان السوري بشكله الحالي، وحجتهم أنه كيان مصطنع. لم تشكل هذه المسألة مشكلة عند أنصار المدرسة المدنية كما ذكرنا، لكنها أثارت تناقضاً كبيراً بالنسبة للمتأثرين بالألمان، إذ لا يمكن أن تكون الهوية إلا شعوبية ولا يمكن أن يُقبَل بدولة إلا إذا كانت متشكلة على يد هذا الشعب من المحيط إلى الخليج. كان هذا بمثابة دعوة متطرفة لمطاردة الهوية العضوية دون مكابح، فنتج عن ذلك تأويلات متعددة عن طبيعة شعوب المنطقة، وعشوائية برسم الخرائط أحياناً، منتهياً المطاف عند العروبية البعثية.
في المحصلة، غابت الهوية الوطنية السورية الضيقة تماماً عن أي تنظير، أي أن الأدبيات التي وصلتنا من أسلافنا السوريين المعاصرين، لم تعدّنا أو تمرر لنا أي معلومة عن طريقة المواطنة في سوريا الحالية، أي سوريا الضيقة المصطنعة المرسومة عشوائياً على يد تشرشل وسايكس وبيكو بعد جلسة ثقيلة من الويسكي، لأن كل إطار المواطنة الذي وصلنا كان ينظر أبعد مما ملكناه: “قلنا فول قبل ما يصير بالمكيول”.
الوطنية في كيان مصطنع
1936 — أنهى هاشم الأتاسي الإضراب الستيني للتو وأعلن ذهابه مع فريقه للتفاوض مع فرنسا من أجل الاستقلال. لكن أي استقلال؟ لم يحكم الفرنسيون بالنار والحديد كما حصل مع آخر حاكم على سوريا (أي جمال باشا العثماني)، كما لم يكن الفرنسيون بذات العنف الذي أوقعه السوريون على بعضهم لاحقاً. فما هو الداعي لمقارعة قوة عظمى، ورفض الاستفادة منها بل والتخلص منها تماماً؟ فعلاً، كانت سوريا من أوائل المستعمرات الفرنسية حول العالم التي تستقل عن الفرنسيين، فما يميزها عن غيرها من المستعمرات؟ والإجابة عن ذلك تكمن في نشوء رغبة عند السوريين بحكم أنفسهم حسب قوانينهم هم، أي أنهم بلوروا وعياً على أنهم كتلة قانونية واحدة وذات حدود حولها، قادرة على التساجل الداخلي الناجح في سبيل الوصول إلى قوانين ناظمة وملزمة لهم جميعاً، وبنفس الوقت ارتأوا أن جميع الإدارات القانونية الأخرى (وأولها الفرنسية) ستفشل في حكمهم وفهمهم.
وللصدفة الحسنة أن فرنسا بعثرت سوريا قبل ذلك إلى 5 دويلات، وهو ما لم تفعله مع معظم المستعمرات الأخرى. هذا ما جعل الوطنية السورية تمر بنفس المرحلة التي مرت بها الوطنيات العالمية الأولى، وهي التنسيق بين المتبعثرين على أساس طوعي من أجل تباحث إمكانية الإدارة الموحدة. وهكذا، اجتمعت 4 دويلات لتشكل سوريا المعاصرة، واختارت لبنان أن تبقى خارج الكيان السوري الجديد، وهو ما احترمه السوريين وقته، وإن كان على مضض. لكن هذا الاحترام لرغبة لبنان هو أحد الأدلة الباقية على أن الاجتماع السوري كان التقاءاً قانونياً، لا ثقافياً.
لم يكن لينجح في قيادة هذه العملية بتلك المرحلة سوى شخص مثل هاشم الأتاسي، الدستوري الكبير، والمدرب على البيروقراطية العثمانية التي حاولت أن تدير تعقيدات الهويات المركبة التي عاشت في سوريا والأناضول. بكلمات أخرى، احتاجت الأزمان رجلاً يفهم المكونات المختلفة وبذات الوقت يفهم صنعة الدستور وعلاقته الدينامية مع المجتمع. فما كان بالإمكان أن تأتي لملمة البيت السوري، وسَوق الوعي السوري القانوني الجديد بذاته للرأي العام العالمي، إلا على يد مدني دستوري، لا مغامر عسكري أو متنفذ تجاري. كان الأتاسي إحراجاً لفرنسا وورطة لها، لأنه مثلهم، وابن مدرستهم المدنية والبنائية القانونية، إذ يبدو الأتاسي لأكثر المستشرقين عدوانية مجرد طالب يطبق ما تعلمه من معلمه الفرنسي. فلا تستطيع فرنسا المحاججة ضده لإنه يوظّف فلسفتها في المواطنة، كما لا تستطيع تبرير القمع العسكري والبوليسي له، لأن الأتاسي لم يقاوم بالعسكرة كما كانت الحال مع العظمة وفيصل والأطرش، وقد استطاع أن يعبئ غالبية الشعب السوري وراءه بسبب اتباعه هذه الطريقة.
وساعدتنا فرنسا عندما تباطأت في ردودها وأطالت تواريخ التسليم وأجلت مواعيد الإجلاء، لأن هذه الإطالة كانت اختبار نُظمٍ لمدى تماسك الكيان السوري الجديد، فإنْ فَشِلَ الكيان بعد ضغط السنين من قبل قوة عالمية عظمى، فلا ندم على فقدان كيان ضعيف مثل ذاك، وإنْ نجح، فهذا دليل إضافي يشحن الثقة على صحة الحدود المرسومة حول هذا الكيان. ومن المفيد ذكرُ أن الرأي السوري السائد وقتها حول هذه الحدود أنها ما هي إلا إحدى الإصدارات من عدة حدودٍ صالحة يمكن رسمها.
وهكذا، مرت الوطنية السورية بنفس المراحل التي مرت بها كل الوطنيات العالمية الراسخة، ولم ير الأباء المؤسسون تناقضاً بين الكيان السوري المصطنع والهوية الوطنية، لأنها أيضاً مصطنعة بنظرهم ودليلهم أنهم هم من صنعوها.
لما انقلبت المدرسة الوطنية باتجاه الشعوبية، دخلت معها حالة التذمر من الدولة السورية الحالية ككيان غير كافٍ، ويجب أن يتعدى حدوده متوسعاً نحو هدفٍ آخر طبيعي له. والمشكلة الأكبر في هذا الانعطاف، أنه حرم السوريين من الكفاية الهوياتية الوطنية، أي أوحى لهم باختلال هويتهم الوطنية وقصورها. مذ ذاك اليوم، ونحن نعاني مع هويتنا الوطنية.
الوطنية والإسلاموية
يفترق الفكر الإسلامي عن الوطني قبل انقسام الأخير بين الشعوبية والمدنية، فالإسلاموية بديل منافس للوطنية من الأساس، بديل يعطينا نقده للحداثة برفضها، لا قبولها. لا شك أن الفكر الإسلامي غني وواسع جداً، ويحمل كنزاً من الردود المهمة على الحداثة، وهذا من نقاط قوته ومميزاته في إغناء الفضاء العام. وجدير بالذكر أن الفكر الإسلامي يعاني من تشويش سببه الضجيج والضوضاء الصادر عن جماعات متطرفة من ضمنه، أو من دعائيات سطحية مضادة تروجها التيارات التي تعاديه. والمدرسة الإسلامية في الحقيقة نفسها أطياف ومذاهب وتيارات قد تضاهي بتنوعها التطيفات الوطنية. بيد أنها على بُعد سياسي مختلف تماماً، فهي بحكم التعريف، مدرسة تتحكم بها السجالات الإسلامية-الإسلامية، ولا تقحم غير المُدَرَبِين إسلامياً إلا بهامش بسيط. وهنا نتكلم عن الإسلاميين كمنظري تيار، لا كعوام المسلمين.
وقد درج أن يوضع الكلام على فم الإسلاميين في محاولات اعتذارية عنهم، بالقول مثلاً أن هناك تيارات “إسلامية وطنية”. لكن يبدو تحميل الوطنية بالفكر الإسلامي جوراً على الإسلاميين وحشراً لرقبتهم في عنق زجاجة وقتلاً لمغزاهم. بالنسبة لي، يصعب علي تصديق أن الإسلامي مستعد للاستغناء عن مفهوم “الأمة” القديم والمجرب لصالح مفهوم “الوطنية” الجديد والمُورد إلينا غربياً، ولا أصدق بسهولة أن الإسلاميين وطنيين ناهيك أن يكونوا وطنيين اتجاه كيان مصطنع (وهذا إيلام مزدوج لهم). فهذا ما يُهدر المُقدّرات الإسلامية، التي تعتبر الانتماء الديني والروحاني انتماءاً عضوياً غريزياً يولد به الإنسان ويجب أن يسعى لتحقيقه في الحياة والممات. بكلمات أخرى، فإن الإسلامية الوطنية إن وجدت فعلاً، ما هي إلا نوع من أنواع الوطنيات الشعوبية العصبية-الخلدونية، وهذا يُفقد التيار الإسلامي ما يفرقه ويميزه عن غيره. فلا يوجد إسلامي يريد أن يستسلم بمدرسته التي يعتز بها للمنافس الوطني، فيجعل بذلك الهوية الإسلامية نوعاً وطنياً، أي خاضعاً للوطنية (بدلاً من العكس). كما لا يوجد إسلامي يريد أن يجعل الهوية الوطنية نوعاً من أنواع الإسلام، لما في ذلك من تعارض مع النصوص الدينية وتمييع للهوية الإسلامية.
وفيما يحاول البعض مزج الإثنين فعلاً، إلا أنهم يفقدون خيطهم مع الحاضنة الإسلامية غالباً، فهم أصبحوا شيئاً ثالثاً جديداً، لا هو وطني ولا هو إسلامي، ويعاني هؤلاء من التشكيك من كلي الطرفين. فعلاً، يقع هؤلاء في ارتباك سببه مغالطة التشابه الزائف، إذ يفسرون أن تجارب التعاون بين الوطنيين والإسلاميين موجودة وحاضرة، وهو ما يعني إمكانية التوفيق والتوحيد بينهما. وفي الحقيقة، لا يوجد سبب يمنع الإسلاميين والوطنيين من التعاون وتبادل المصلحة والتحالف المرحلي أبداً، فليس هذا مغزى الاختلاف بينهم. مرة أخرى، في العمق، كلا الإسلاميين (بشكلهم الحديث) والوطنيين هم ردود أفعال اتجاه الحداثة، وكلاهما يهدف لحل ذات المشكلة من زوايا مختلفة، فهما يتقاطعان بالنية، بل بالتكتيكات أحياناً، لكن هذا لا يعني تماثلهما أو قابلية صهرهما، لأن ذلك يميع نظرية الحل التي تطرحها كل مدرسة.
والإسلاميون على مسافة متساوية من الحداثة والوطنية، أي يرون الوطنيين والحداثيين بنفس المقدار من الانحراف. ولهذا، يكاد الإسلاميون بدورهم يقعون في خطأ المماثلة بين الحداثة والوطنية نظراً لقبول الأخيرة بالأولى كأمر واقع، ولتساوي كمّ الانحراف بنظرهم، متجاهلين الاختلاف النوعي بين الإثنين. هذا ما يجعل لغة التواصل بين الوطنيين والإسلاميين سيئة بشكل عام، ومُستهلَكة بالمعاني غير المشتركة.
وفي الحقيقة، الإسلامي له خصاله الخاصة، لكن يتشابه ببعض الأمور مع الوطني. فهو يشبه الوطني الشعوبي في عدم إعجابه بالحدود الحالية، وسعيه الدؤوب وراء حياة عضوية أكثر (فليكن بتفسير مختلف عن الشعوبي)، واعتماد كبير على الموروث، كما أن له خريطة خاصة به لما يجب أن تشمله هويته. بل يتشابه في بعض الأحيان مع أعتى عتاة الشعوبية في منطقتنا، كالبعث (ولا أقولها تجريحاً، بل من باب المقارنة الحقيقية)، في رؤية الأخير القطرية، والتخريج لها بأن سوريا الحالية ليست سوى قاعدة مرحلية ريثما يتحقق الهدف النهائي بتوحد الهوية المتخيلة. كما يتشابه مع الوطني المدني في كونه كونياً، ويعتمد جزئياً مبدأ الانتماء بالممارسة، أي التزام الفرد بالسلوكيات التي يقررها القانون (الفقه بلفظ الإسلاميين). كلمة “دين” نفسها هي ترجمة مباشرة من اللغات السامية القديمة بمعنى “شرعة” أو “قانون”. فهنا، يرى الإسلامي كل من لا يلتزم بقانونه على أنه خارج عن نطاق الجماعة. وهذه الخاصية يتميز بها الإسلام عن الأديان السماوية الأخرى، فاليهودي مهما ضل يبقى ضمن الجماعة اليهودية لكن بإلصاق يافطة “الضلال” عليه بأسوء الأحوال، ولا وجود عندهم لذات المعيار السلوكي الحاد الذي يؤدي به إلى الفَصل عن الجماعة كما في الإسلام. هذا يعطي الهوية الإسلامية، أو دعنا نقول “الأمة”، دينماية مختلفة عن الوطنيات كلها. فبالإسلام، يمكنك توارث الهوية الإسلامية (كالشعوبيين)، فيما يمكنك أيضاً أن تفقدها بالممارسات السيئة (كالمدنيين). لذا فيمكننا في الوضع المثالي أن نرى أطياف إسلامية قريبة للمدنية وأخرى للشعوبية دون أن تكون وطنية.
رأي في الوطنية المدنية
وهنا، أقوم ككاتب بكسر إدعائي الحيادية، وأكشف تحيزي لصالح الوطنية المدنية، فلن تكتمل المقالة دون محاججة مبلورة لموقف واضح. لكن سأخيب ظن البعض إن افترضوا أن ما أدافع عنه هو إيماني بواقع مثالي متعالي وموضوعي إسمه “سوريا”، أو أن الشكل الحالي لسوريا هو أفضل شكل ممكن. وهنا على عكس الشعوبيين تماماً، أرى أن بعثرة المجتمعات في سوريا أمر غير مستبعد، بل أحلله كأمر يحتمل الصحة، ولا أعنى بطرحي بالحدود السورية الحالية أو الشكل السوري الحالي. لذا، ما أدافع عنه هو الطريقة المدنية في بناء وتقرير الهوية.
بالنسبة لي فإن الصفة “سوريّ” هي شاغر-مكان مؤقت لهوية لا نعرفها بعد، قد ندعوها مستقبلاً بالهوية “السورية” وقد لا ندعوها بذلك. ومجال تقرير هذا هو تفاعل مشترك بين المختلفين، الشعوبيين والمدنيين والإسلاميين وأصحاب الهويات. وفي معرض دفاعي عن الطريقة المدنية، أحاول أن أبتعد عن رمنسة المدنية كتفوق على المدارس الأخرى، بل أدرج ما أراه موضوعياً قدر الإمكان، فأقول:
- أن الحداثة حدث واقع لا يمكن عكسه أو الإفلات منه أو إنكاره، ومن ينكره سيتكلف أكثر من أن يقبل به. بل أزيد، أن رفض الحداثة يؤدي أيضاً لقلق سائل وفقدان للأمل بقدرة الإنسان على الحلول.
- أن الحداثة سلاح ذو حدين. فكما أعطتنا أدوات تزيد من عزلة الإنسان وتقوي من تغول الدولة وتزيد ضحايا القرارات السيئة، فهي أيضاً قابلة لأن تعطي أدوات تقوم بالعكس تماماً. كل حي أفسده الإسمنت المصطنع يمكن أن يتجمل بحديقة مصطنعة. كل بيروقراطية فاسدة يمكن أن تُضبط ببيروقراطية أخرى. كل ضحية لإدارة حكومية سيئة يمكن أن تُنقذ بضمان إجتماعي جيد.
- أن أكثر الأفعال كلفة لأي مشروع، هو تغيير هدفه واستراتيجيته. وهنا أحيل لكارثة ميشيل عفلق وأشقائه من الشعوبيين السوريين. لقد بُني الكيان السوري على هوية مدنية في بدايته، أي الالتقاء القانوني لجماعات مختلفة رضيت بالتنسيق فيما بينها، فكانت الحدود السورية هي ما هي، تفصل بين شخص يقبل القانون السوري وآخر لا يقبله، هكذا كان النشوء والمشروع والخطة منذ البداية. قلبُ الاستراتيجية رأساً على عقب أدى لإرباك جمعي عام، لأن معيار الالتقاء بين الجماعات قد تغير بشكل قد لا ترضى به الجماعات نفسها ودون إذن منها. هكذا، أصبحنا أقرب لكوننا رهائن للكيان السوري، بدلاً من مواطنين فيه.
ولأن الكيان السوري بُني بشكله الحالي كمشروع مدني، علينا العودة إلى تلك المدرسة درءاً لارتباك أكثر، فكما أسلفت، أن كل مدرسة غير مدنية محتم عليها أن ترى قصوراً بالحالة السورية، مما يحث المشاكل أكثر، ويعمّق عقدة نقص في الهوية.
- أن الدماء تشد عصب الجماعة. وسفك الدماء في السنوات الأخيرة قد جعل عصب الجماعات في أقصى حالاته شداً وانتقاميةً وغلاً، فتكون أي دعوة شعوبية هي مجرد تحفيز غير مقصود للنعرة الفئوية المُعسكرة، ما يزيد الاحتكاك ويطيل الحل.
- أن المدنية تفتح المجال نظرياً للجماعات بالانسحاب من الاجتماع السوري، ما يضمن طواعية حضور هذه الجماعات في تفاوضها على شكل الهوية. كما تستطيع المدنية بحالتها البدئية وضمن سياقنا هذا أن تكون أكثر مرونة في تفاوضها مع الجماعات السورية العديدة، بما فيها الإثنية والدينية.
ما هي هويتنا؟ عقلية الجواب: اليونانيون الجدد vs. الرومانيون الجدد

لا نعلم، نحتاج جهدا استكشافياً جماعياً لنعرف الجواب. ولعل أكثر ما يحزن في السجالات الماضية حول موضوع الهوية، هو فشلها في التطور إلى نقاش عام. وذلك ليس لسوء في الطرح بالضرورة، بل لفقدان العنصر الأهم في الخاتمة، أي عرض آفاق الحل. فالحل هو المؤشر الأساسي للتماسك المنطقي في النص.
وكان الحل غالباً القسم الأقصر والأقل أهمية والأكثر اقتضاباً وسطحية، بل أزيد، أن الكاتب كثيراً ما عزل نفسه عن الحل، رامياً حلولاً عامة يستحيل أن يكون شخصه جزءاً منها. هذا الغياب الفاعل في طرح الحلول أضعف كل دعوة للنقاش، إذ جرّده جدّيته وواقعيته.
بعض الصور النمطية قد تساعدنا في فهم هذه الظاهرة. تتحدث الكتب عن عقليتين تاريخيتين، الأولى تحب التأمل والتفكير والتنظير وإشباع السيناريوهات المتخيلة بمزيد من التفكير، واشتهر اليونانيون بهذه العقلية. وفي مقابلهم عقلية أخرى تحب التطبيق والتنفيذ ومباشرة العمل وتقيس صحة قراراتها بمقدار الفعل المبذول لا بالنتيجة المنطقية التي اقتنعت بها. واشتهر الرومان بهذا الأسلوب.
باختصار: يفكر اليوناني “ما هو العدل؟” فيما يفكر الروماني “كيف لنا أن نكتب قانوناً يمكن للمحاكم فعلاً تطبيقه غداً؟”. اليوناني يفكر ويتأمل وينظّر. الروماني يمأسس ويفعل ويطبق.
والحال أن الطريقة اليونانية في التأمل والتنظير هيمنت على عقلية الحلول السورية، وهو ما لم يعد يحظى بالاستجابة من قبل عوام الناس والمتلقين في سوريا. كم مرة سمعنا عن أن الحل يكمن في “تحسين النظام التعليمي وإدماجه التوعية الوطنية”، أو “أهمية التوعية والتثقيف” أو فرض القوانين وآليات الثواب والعقاب على الناس في تنظيمٍ لأفئدتهم حول الهوية. إن هذه الدعوات تصب في الاتجاه المعاكس تماماً، إذ هي أقرب لكونها أدلجة وإجباراً لهوية مصطنعة في أنوف الناس.
على الطرف المقابل، تشجع الطريقة الرومانية على الحل العملي الميسر وكسر التجريد ورفض قاطع لتفضيل العقل على الفعل، كما تدعو لطرح “لوجستيات” الحل لا الاقتصار على ذكر النتائج النهائية المتخيلة للحلول. وللمفارقة، لم يتكلم روماني في السياسة إلا وكان نفسه سياسياً (على عكس اليونانيين كأفلاطون وأرسطو الخ.)
ولا أدعو لرومنة حلولنا بالكامل، بل لمرحلتين في الحل، واحدة يونانية وأخرى رومانية. كما أرى أن التفصيل المفيد في هذه النقطة يعتمد على عامل إضافي يفرضه الأمر الواقع: حضور الدولة أو غيابها/فشلها. فالدولة تمكّن التحرك بشكل جماعي، فيما غيابها يدفع الناس لتشكيل مبادرات فردية. فيكون لدينا مصفوفة رباعية للحل: يوناني+دولة، يوناني-دولة، روماني+دولة، روماني-دولة.
ومن أوضح المسارات المُيَونَنَة (ي + د)، هو تأمين مساحات من التعبير والتساجل والحوار. إن تقرير الهوية (وطنية كانت أم لا) يحتاج أن يحدث في مساحات عامة، وبدون هذا المكان الفيزيائي الذي يستطيع مجمل الناس الوصول إليه، لن يقطع السجال مرحلةً تشرعِنُهُ، بل سيكون على الأغلب مجرد تبادل للتعليقات على التواصل الاجتماعي. كما تحتاج كل جماعة أن تكون ممثلة بوجهائها ونخبها. ليس الهدف لوحده هو النقاش عن هوية تَظُل الجميع، بل الأهم، ما هي رؤية كل جماعة لهويتها الذاتية، وما هي رؤيتها المميزة عن الهوية الأعم. ولهذا السجال أن يبدأ في بيئة تعزله عن الضوضاء والدعاية، وتيسير ذكي يسمح للأفكار بالتبادل والنمو براحتها ومن ألسنة ناطقيها. بالإضافة لذلك، تشكل المؤسسات العامة لجاناً لتقصي الحقائق والمصالحة التاريخية، وتقوم بتغيرات رمزية شاملة (في اللغة والاعتراف والتعليم مثلاً) بما يتواءم مع الهويات المختلفة.
وأما مقاربة الحل على طريقة يونانية وبغياب الدولة (ي – د)، فتكون بتنسيق تجمعات ومنتديات شعبية تتباحث في القيم والهوية المشتركة. كما يمكن للأفراد النشاط في مجال الإعلام البديل وصحف الرأي وحديثاً: البودكاست والمدونات. وأخيراً، تنشيط الشبكات عرضياً وطولياً، عرضياً بتوسيع شبكة المتناقشين مع أنصار محتملين جدد، وطولياً بتوسيع شبكة المتناقشين مع آخرين مختلفين.
على الجانب الآخر، الروماني الهوى، وبحضور الدولة (ر + د)، تُعاد صياغة الدستور بشكل يمكن تطبيقه، مع كتابة تعريف لحقوق المواطنة وواجباتها، ومعالجة واضحة لمخاوف الهويات المختلفة بما يعكس جزئياً على الأقل مصالح وتطلعات كل منها، وتحرير مبدأ اللامركزية والفدرالية من عبئ التضمينات والدعاية والتي أثقلته حد المحو والتكفير (والكُفر في اللغة العربية هو تغطية الشيء)، واعتباره مجرد تفضيل (أو عيار) لكل جماعة على حدى. ويعي الروماني الدَولَتي طبيعة أزمة الهوية، هل هي حقاً موجودة بسبب اختلاف طبيعي حاد بين الجماعات؟ أم هي محفزة بسبب فشل في الإدارة السياسية السابقة؟ لهذا، تحاول هذه العقلية استبعاد العامل التدخلي السياسي، بالقيام بإعادة قولبة نظام التوازنات والضوابط وفصل السلطات بما يدفع الدولة لتكون “محضر خير” لا مُزيدةً للطين بلةً. ويُضاف إلى الأساليب الدَولتية الرومانية التفكر بصحة الحدود الإدارية وإعادة التمثيل السياسي والمحلي وخلط الجماعات في المؤسسات العامة (الجيش، المرافق الحكومية، الخ.)، وإعادة توزيع الميزانية الحكومية لتوازن كفة الأطراف مع المركز.
وأخيراً، الطريقة الرومانية بغياب الدولة (ر – د). هنا، ندعو إلى “بنائية” تدريجية بين جزر من الهويات المستقرة. في خضم هذه الفوضى (أزمة هوية وغياب دولة) كل فرد هو دولته الخاصة، فعلى الفرد الباحث عن الحل أن يسعى إلى التحالف العملي والفعال والمستقر مع أكثر الانتماءات محلية، حتى لو كان هذا يعني تفاعلات على مستوى سطحي وقليل العدد. نتكلم عن تحالفات أساسية للغاية، قد تكون على مستوى القرية أو الحي أو البناء، وأي فشل لهذه التحالفات الدنيا يدل على أنها كانت أكبر من اللازم. في هذا السيناريو، يبني هذا التحالف المصغر معايير واضحة وقابلة للرعاية في الانتماء للهوية، كما تُكتب قوانين أساسية بما يكفي لتكون قابلة لاتباعها، وتُوزَع الواجبات المتوقعة بوضوح وتُمارس الحقوق المستحقة الناتجة عن هذا الانتماء، كما يعمل هذا التجمع على توثيق السوابق في التعامل مع المستجدات التي تطرؤ عليه، فتتشكل “عادات” في التعامل مع المشاكل السياقية المعنية بهذه الجماعة: تتوسع دائرة التحالفات بالتفاوض مع الهويات المستقرة الأخرى، وتتدرج هذه الحالة حتى بناء أوسع هوية مستقرة ممكنة.
تُختصر المصفوفة بالجدول أدناه. وفي معظم الأحيان، يكمن الحل الحقيقي بمزيج من خانتين أو أكثر من هذه المصفوفة حسب السياق والأزمان وشدة الحاجة.
| الدولة غائبة / منهارة (-د) | الدولة موجودة / تعمل (+د) | |
|
الهدف: الحفاظ على وعي أخلاقي وهوياتي حيّ رغم انهيار الدولة. الأدوات: مجالس محلية، منابر إعلامية مستقلة/بديلة، شبكات مثقفين ونشطاء، مشاريع ثقافية تقترح رؤى لمستقبل مشترك. المخاطر وسوء الاستخدام: أفكار بلا تنفيذ، تشتت إلى فقاعات فرعية، هيمنة جماعات تمتلك التنظيم والقوة. |
الهدف: إعادة تعريف الهوية عبر نقاش فكري وأخلاقي واسع (ترعاه الدولة) عن جوهر الهوية الجامعة الأدوات: لجان حقيقة ومصالحة، إصلاح المناهج، دعم الفن والأدب الناقد، مناظرات عامة، تعديلات رمزية في الدستور والرموز الوطنية. المخاطر وسوء الاستخدام: إطالة الكلام دون تغيير فعلي، نخبوية النقاش، تفكك السرديات وعدم تبلور قصة مشتركة. |
النمط اليوناني (ي) المعنى أولاً: » لنعرف هويتنا سوية « |
|
الهدف: إنشاء «جزر هوياتية منتظمة» صغيرة تتصرف كدول مصغّرة ثم تتّحد تدريجيًا في هوية واحدة. الأدوات: تعريف جماعة محدَّدة العضوية (حارة، مبنى، مهنة)، كتابة قواعد بسيطة مُلزِمة، أدوار ومسؤوليات واضحة، آليات إقصاء واسترداد، توثيق السوابق، عقد معاهدات تعاون مع الجماعات الأخرى. المخاطر وسوء الاستخدام: الانزلاق إلى زعامات ميليشياوية/مافياوية، استغلال انتظام الجماعة لابتزاز جماعات أخرى غير منتظمة، هوية وظيفية بعيدة عن النقاش حول العدالة والحقيقة وجوهر الهوية. |
الهدف: حل أزمة الهوية بإعادة هندسة القانون والمؤسسات لتطابق البنية الاجتماعية الفعلية. الأدوات: إصلاح دستوري شامل (مواطَنة، فدرالية/مركزية، حقوق جماعات)، إعادة هيكلة الإدارة والأمن والقضاء، خدمة مدنية وعسكرية موحَّدة، استخدام الميزانية والمشاريع لإنصاف الأطراف مقارنة مع المركز. المخاطر وسوء الاستخدام: الانزلاق نحو حلول تكنوقراطية بدون شرعية وجدانية، ترحيل المظالم بدل مواجهتها، دمج قسري يفرض الهوية بالقوة الناعمة/الخشنة. |
النمط الروماني (ر) المؤسّسات قبل السَّرديّات: » لنبني هويتنا سوية « |
خاتمة
إن الخروج من مأزق الهوية السورية لا يمرّ عبر اختراع سردية كبرى جديدة نُسقِطها قسرًا على مجتمع منهك، بل عبر التعامل مع الهوية بوصفها مشروعًا مفتوحًا، مدنيًّا، بنائيا، تراكميًّا، ينشأ من تفاوض فعلي بين جماعات حقيقية حول أهداف وقواعد عيش مشتركة قابلة للتطبيق لا للتغنّي فقط. فالحداثة (والهوية الوطنية كإحدى تمثلاتها) لا يمكن التراجع عنها، كما أن سائر البدائل الرافضة للحداثة لن تُبطِل الواقع المصطنع الذي نعيش فيه على الأغلب، بل إمّا أن تقبله وتنظّمه أو توغل برفضه وتزيده تمزقًا. المطلوب عقلٌ “روماني” بالمقام الأول يتجاوز النقاش إلى مؤسسات، وقوانين، وتحالفات مصغرة ملموسة، سواء بحضور الدولة أو بغيابها. وبالمقام الثاني، عقلٌ “يوناني” يعيد فتح سؤال الهوية بفعالية وبلا محرّمات، عندها فقط تغدو صفة “سوريّ” اسمًا لمظلة تجمع أفراد وجماعات بروابط بواضحة، لا لقدر جغرافي ملعون ولا لأسطورة شعوبية مشروخة، وحينها يمكن للهوية السورية—أو أي اسم جديد نتوافق عليه—أن تتحول من مشكلة متوارثة إلى أداة واعية لبناء أوسع إطار ممكن من العدالة والتعايش بين المختلفين.








