مدخل إلى اليعقوبية الثورية السورية

220px-LibertyEqualityorDeath

من الشعارات اليعقوبية للثورة الفرنسية: “الحرية, المساواة, الإخاء, أو الموت”

باتت الحاجة ملحة للنطق بما تملكه أفواهنا المكتومة من كلمات تصيغ مبادئ شريحة مكسوفة من السوريين الثوريين, مبادئ قدحوا بها شرارة الثورة و اعتنقوها من البداية, و بعضهم اعتنقها لاحقاً, إلا أنها لم تُمَثّل أبداً في المشهد الثوري, لا سياسياً ولا عسكرياً, و لربما تمثلت جزئياً في الحقبة الأولى للثورة السورية فيما يستدعي الحنين اليوم.

كشريحة من الثوار السوريين, وصلنا إلى هذه المبادئ و المُثُل بشكل مستقل, دون رغبة بالتقليد أو المحاكاة, و بحكم الصدفة تشاركنا فيها كثيراً مع التجربة الثورية الأم لكل الثورات الحديثة, تجربة الثورة الفرنسية الأولى 1789 بقيادة جماعة “اليعاقبة”(1), و لهذا دعوتها هنا بـ”اليعقوبية الثورية السورية”, أو “اليعقوبية-الجديدة السورية”.

أذكر قراءتي لما كتبه الدكتور برهان غليون يوماً ما و أعيد صياغة ما كتب حسب ذاكرتي: “الثورة السورية ليست غلواً ثورياً, إنها ليست ثورة يعقوبية و لا نريد لها أن تكون كذلك”. أثارت تلك الكلمات غضبي, و مذ يومها, لم أعد أنظر إلى مفكر عظيم محترمٍ هتفت لأجله في المظاهرات ذات النظرة, و قطعت شعرة معاوية مع معظم المفكرين المحسوبين على الثورة, إذ أن أغلب من يملك التغطية الإعلامية و القدرة و الوقت على التنظير, مضطرٌ ليكون خارج البلد, و اقتنعت بتحميله تهمة الانفصال عن الواقع تباعاً, و اتباعه لنزواته و مشاريعه الشخصية التي لا تتفق بالضرورة مع الرغبة الجماعية للثورة. هل هو انفصال بين الثوري الميداني الشاب و المعارض القديم المخضرم؟ ربما, لكنني حاولت مقاومة هذا النوع من الانفصال, و آثرت قولبة ردة فعلي بطريقة نظرية, و إن حملت في طياتها غضباً, و أيما غضب.. فقد طفح الكيل.

أبدأ بالسؤال التالي: لماذا نحتاج للتطرف الثوري؟

قد يجيب البعض بأن الإجراءات الثورية المتطرفة هي التي تحقق المبادئ الثورية و “تتعصب” لها و تحافظ عليها و تحميها باستماتة صلدة. لكن أرى في هذا التصور تبسيطاً و اختزالاً لدور التطرف الثوري الأهم. علينا أن ننظر إلى الأمر من زاوية أعرض لتغطية صورة أكبر. لنتذكر معاً كيف أنه مع بدايات الربيع العربي لم يكن هناك طيفٌ سياسيٌ ثوريٌ بمعنى الكلمة, لم يكن هناك يمينٌ إسلامي أو يسارٌ علماني أو وسط توفيقي, و كيف كان الجميع قد خرج إلى الشارع لسبب معين معروف, لمواجهة عدوٌ معينٍ معروف, باستخدام طريقة معينة معروفة للمواجهة: كفّ الدكتاتورية و الفساد و إعلان الحريات ..الخ في مواجهة النظام العدو و على رأسه الرئيس و ذلك بتوظيف وسائل التظاهر و الثورة السلمية. لكن مع الزمن, كان لا بد لنشأة طيفٍ داخل الثورة نفسها يفصل ما بين الكتل المعارضة المختلفة و المتمايزة, فسوريا تملك معارضين من شتى الأقطاب, كالأخوان المسلمين و الشيوعيين. و لعل ذاكرتي لا تخيب عندما أقول أن الثورة السورية بدأت تنحدر بُعَيد تشكل الطيف السياسي الثوري ذاك. و السبب هو التالي, يقول الكثيرون أن الأنظمة العربية حققت نصراً ما على شعوبها, و هو تدجينها لتتصرف بطريقة معينة عند الحاجة, و قد شهدنا الأثر السلبي لهذا التدجين على الثورة بمظاهر مختلفة, لكن معظمها كان يتبع ذات المنطق و المعيار: بدلاً من أن تنزاح الثورة إلى يسار الطيف, و هو الحال الطبيعية لأي ثورة في التاريخ, أخذت الثورة السورية تنزاح نحو اليمين, نحو الثورة المضادة, نحو التقليدية و التدين و اللون الواحد. و لمقاربة أكثر دقة و أكثر تعقيداً بقليل, فإن الثورة بطبيعتها تنازح عشرة خطوات إلى اليسار ثم تتراجع خطوة إلى اليمين, بينما ثورتنا السورية حدث لها العكس, انزاحت خطوة إلى اليسار(الفترة النوستالجية لمعظمنا) ثم تراجعت عشرة خطوات إلى اليمين.

لهذا السبب تماماً نحتاج إلى متطرفين ثوريين, إنهم هم من يشدون الطيف الثوري نحو اليسار, و يمنعون الانحدار الذي حصل و يقفون في وجه محاولات الارتجاع الثوري, و يعطون الثورة تطورها الطبيعي نحو اليسار, و هكذا تبقى زمام المبادرة في أيدي الثورة. إن ما حصل لثورتنا السورية سببه عدم وجود تطرف ثوري, تطرفٍ يستطيع أن يبلع ظلمات الثورة المضادة و يبقَ مع ذلك يشع بالمبادئ الثورية. إن هذا الدرع في وجه طعنات الغادرين هو الذي يضفي راحة نفسية على الثائر العادي, و الذي بوسعه عندها ممارسة نشاطه الثوري مطمئن القلب. الثوار المتطرفون هم من يحملون المبادئ الثورية حتى النهاية, و يجعلونها تنمو و تتطور حتى تتبرعم و تنضج. إنهم هم من يمارسون واحداً من أهم الوسائل للنجاح في أي ثورة: الاستقطاب الثوري, و الذي يقتضي التعبئة, التعبئة الثورية. يعي المتطرفون الثوريون وجود عدوين إثنين, واحدٌ أمام ناظريك و هو الدكتاتور الحاكم. و العدو الثاني وراء ظهرك و هو الثورة المضادة. و بلوغ هذا الوعي هو واحدٌ من أهم العوامل لنجاح أي ثورة. بهذا أكون قد أجبت عن السؤال الأول.

و قبل أن ندخل في شرح القيم اليعقوبية (المتطرفة ثورياً), دعوني أرسم خطاً يميز بين الخيال و الواقع, بين الذي يوجد اليوم و بين الذي وُجِدَ يوماً ما, خطّاً يعمل عمل المرجع و يساعدنا بتشخيص مكاننا اليوم في فضاءٍ ما بعد حداثيٍ لا مرجع له.

لنعترف, نحن لسنا في عصر التنوير, و لسنا في 1789 فرنسا. على العكس, نحن خرجنا لتونا من النفضات الأخيرة لعصر التنوير, أقصد الشيوعية, و إن أحببتها أم لم تحبها فهي تُعتَبَر مرتبطة مع التراث التنويري. التنوير انتهى و غربت شمسه, نحن الآن في المساء, و الليل يخيم علينا. و ليست منطقتنا من العالم هي تلك التي ترى النور كثيراً أصلاً, ليست على الأقل للألف سنة الماضية, فالشرق الأوسط مشغولٌ, بل ملعونٌ بلعنة الحروب الدائمة, و على الثورة أن تأتي و توقف هذا الهراء القدري التاريخي و تحرق طلسم اللعنة.

نحن في فترة الانتقال من العقلانية نحو العاطفية, تسمى هذه الفترة الوسيطة بـ”الحدسية intuitionism “, إذ لا هي عقلانية تماماً و لا عاطفيةً تماماً بعد. تحمل الحدسية خصائص تختلف عن الإثنتين, خصوصاً في قضايا الأخلاق, و إدراك الواقع و ماهيته(الميتافيزيقيا), و عملية صنع القرار. يهمنا هنا تحديداً مسألة الأخلاق, فأنا أرى, و أتشارك هنا مع اليعاقبة الفرنسيين, أن الثورة فعلٌ أخلاقي قبل كلشيء. بوصول الحدسية, لم تعد الأخلاق محاكمة فكرية معضلية تستهلك ضمير الإنسان, بل هي حدسٌ(شعور) متبوعٌ بالحكم الأخلاقي, متبوعٌ أخيراً بتبرير عقلي. أي أن الشعور هو ما يقرر إذا ما كان الفعل أخلاقيا أم لا, و العقل يأتي لاحقاً ليبرر هذا القرار… باختصار, العقل لا يولد الحكم الأخلاقي, و إنما العاطفة.

حادثة أخلاقية ⇐ حدس الشخص س ⇐ حكم س الأخلاقي ⇐ تبرير س حكمه المسبق بشكل عقلاني ⇐ نقل التبرير إلى حدس الشخص ع ⇐ حكم ع الأخلاقي ⇐ تبرير ع حكمه بشكل عقلاني … الخ(دائرة) (Haidt, 2012)*

شكل يوضح النموذج الحدسي:

SocialIntuitionistCC

 

هذا الواقع يغير كلشيء, بما فيه طريقة التعاطي مع الثورة, و يجب أن يبقى دائماً في رأسنا كي نملك فرصة بالنجاح و نتجنب الارتباك الذي نحن فيه. الطريقة الصحيحة للتعبئة الثورية ليست بدفع الناس نحو التفكير بالضرورة. هناك مشكلة موجودة, كنت أنا أحد العالقين بشراكها, و هي تأليه أو طوطمة العقل و الوعي, العقلانوية, كأنها هي الشرط الذي بها تنجح الثورات, كأنه على الجميع أن يكون واعياً و بالغاً درجة العلم. و أقول لا!, بل الشرط هو وجود الإرادة, و أما عن الوعي, فنعم, قد يكون هناك حدٌ أدنى مطلوب لدخول المدرسة الثورية, لكنه برأيي لم يكن هذا مشكلة في سوريا, فقد بلغ الثوار السوريون هذا الحد الأدنى. لأوضح موقفي هنا, اسمحوا لي أن أحلل الأمر و لنوصف ما أراده العقلانويون قبل أن أرد عليهم. قبل كلشيء, لنتفق على أن المفتاح هو جعل الناس يحكمون أن الثورة محقة أخلاقيا و يجب اعتناقها و مناصرتها. عندما يطوطم العقلانويون “الوعي” فهم لا يقصدون تفكيراً خاماً أو تعليماً عاماً عالياً منتشراً بين السكان, بل يقصدون بكلمة “وعي” قدرة محددة, و هي المحاكمة العقلانية الأخلاقية التي تحكم أن الثورة هي الفعل الصحيح, و هذا كما رأينا من آثار عصر التنوير, التي تشدد على أن يكون العقل هو سبب الفعل الأخلاقي. و هناك فعلاً داعٍ لهذا النوع من العقلانية, لكن فقط عند النخب الثورية, أما الثوار العاديون, فلا داعي لأن يعبؤوا بهذا المعيار العالي. إن الحدسية الأخلاقية التي نعيش بها اليوم تعطي الأولوية للعاطفة بدلاً من العقل, لذلك, فلن يركب المفتاح العقلاني بالقفول الأخلاقية لأبواب اليوم, و نحتاج لمفتاح آخر, إنه مفتاح الحدسية.. هذا هو المفتاح الصحيح.

و مهما وجدنا نفوراً أو اشمئزازاً من هذه الطريقة اللاتنويرية/اللاعقلانية في ممارسة الثورة, و خيبة أمل طوباوية في اقناع الناس بالعقل, فعلينا ألا ننسى أن الطريقة العقلانية في التعاطي هي منظومة نسبية لها زمانها و وجدت من أجل عصر التنوير, و صممت و تطابقت مع ذاك العصر و حاجته, بينما اليوم, فالأمر مختلف.

إن أحد المفاتيح الحدسية هو “الإرادة” كما ذكرت. لا يجب أن تنتظر الثورة أو تقولب وعياً ما, فهذا إزهاق للوقت, و عليها أن تهتم بالتوعية بعد انتصار الثورة, لا جعلها شرطاً لبدء الثورة. إن ما يجب فعله هو بناء ((إرادة)) ثورية, و عندما أقول إرادة أعني أمرين يجب تحفيزهما و توضيحهما: الرغبة و الهدف. تلك الإرادة هي ما يصلح ليكون شرطاً للثورة, و هي أقرب للحدسية من العقلانية.

ليست هذه العوارض الجانبية للحدسية و حسب, بل أيضاً هناك مسألة أخرى. إن جزءاً أساسياً من الخطوات الأخلاقية الحدسية هو نقل الحكم إلى حدس الآخرين, أي نقل الحكم العاطفي اجتماعياً و نشره بين الناس, مما يضعف الاكتفاء الأخلاقي الذاتي و يدعم الانقياد الجمعي, و يعزز شرعية طغيان الأغلبية. و لك أن تتخيل عظم هذه المكربة مع وجود التواصل الاجتماعي اليوم, و مدى عزلة فردانية الإنسان و رغبتها بالانفجار.

لا ننسى أيضاً التدجين الجماعي و التعليم العمومي الموحد.. الخ. هذه الخصائص يجب مراعاتها و تمييزها عن أزمان اليعاقبة الفرنسيين, الذين اعتُبِروا التجل السياسي لعصر التنوير و العقلانية—لا الحدسية. و برسمي لهذا الخط, أبدأ في تحديد القيم اليعقوبية الثورية.

ما هي القيم اليعقوبية الثورية السورية؟ أو كيف ليحكم هذا اليعقوبي إن وضع في موقع سلطة على الثورة أو البلد؟

  1. إن أول ما دفعني لأنجذب نحو اليعاقبة هو غضبي و حقدي و بحثي المضني عن حل اتجاه الثورة المضادة و خونة الثورة السورية. كيف لهؤلاء أن ينجو بفعلتهم! بل إن بعضهم استلم زمام أمورنا! أمور ثورتنا, و بات وجها من وجوهها, و لربما بطلاً من أبطالها! الثورة هذه التي أعتبرها مقدساً أخلاقياً, قدس الأقداس, بات يهيمن عليها كهنة كفرة بها, و لا أحتمل منظر عدوٍ يشوه مقدسي, ناهيك عن خائن يتبول عليه من خلف ظهري. أردت, كما غيري, أنا أراهم يتعرضون لأشد نوازل العقاب. على العقاب أن يكون مقوننا و معلناً و مطبقاً بحزم, إنه وسيلة أساسية في ردع الثورة المضادة, إذ هو يضعف من تواتر السلوك السيء, و يرسل رسالة برفض الثوريين لهذا السلوك. العقاب قد يكون جسدياً, و قد يكون نفسياً, و لا يخجل اليعقوبي من كليهما. كلٌ منهما له وقته و نفعه.
  2. في المقابل, و ببناء منظومة عقاب, فتحتاج أيضاً إلى منظومة مكافأة. حتى أكثر الفصائل العسكرية المعارضة للنظام السوري, لا تملك نظام مكافأة ولو رمزيٍ يوازون به النظام السوري. و عندما أقول مكافأة لا أقصد مكافأة مادية فقط—ولا أتمناها أن تكون مادية—و لا أقصرها على العسكريين, بل قد تكون تغطية إعلامية لصوت مواطن ثوري عادي, قد تكون مكافأة نفسية و معنوية و اعتبارية, نيشاناً, رسالة شكرٍ خطية, زينة ثورية. بهذا الشكل, يتم تعزيز الولاء للثورة و تبيان السلوك المطلوب للعامة.
  3. المبادئ الثورية مقدسة. الديمقراطية, التنمية الإنسانية, حقوق الإنسان, الحرية و العدالة و الإخاء, المساواة, دعم الجميع في تحقيق مشاريعهم و بناء مستقبلهم .. الخ.. هذه المبادئ على قداستها, لا تعني امتناعها عن النقد و تحجرها كما لو أنها كتاب ديني, بل يمكن انتقادها و تعديلها مع المحافظة على مآربها الإيجابية و قدسيتها في ذات الوقت. دستور الثورة الفرنسية كان قد تغير عدة مرات قبل الوصول إلى صيغة مناسبة.
  4. البروباغاندا الثورية باتت شرطاً أساسياً لأي نصر سياسي. ليس فقط لنشر المعلومة الثورية و التحكم بما ينشر و بما لا ينشر, و إنما أيضاً بردّ بروباغاندا العدو. إن البروباغاندا الثورية تعمل أمرين, نشر المعلومة الموالية في كل مكان, و منع معلومات العدو عن كل مكان. و ذلك لهدفين, رفع معنويات الثوار و حشد الدعم, و تخفيض معنويات العدو و الطعن بمصداقيته و داعميه.
  5. الأدلجة الثورية, و هنا لا نعني بها “توعية من نوع خاص” بالمعنى الكلاسيكي العقلاني. و إنما المقصود هو عملية ذات اتجاه واحد, هي انتشار المعلومات و الاستسهابات الثورية الأخلاقية من النخبة الثورية إلى الثوار العاديين في سبيل تعبئة الأخيرين و حشد قوتهم. و ليست هذه الطريقة بـ”عقلانية” كما ذكرنا, بل يمكن أن تكون “حدسية” بما يتناسب مع روح العصر. علينا أن نعي أننا في ما بعد الحداثة لسنا مهتمين بالـ”حقيقة” كما كانت الحال في عصر التنوير, بل على العكس, قد يسعى أبناءنا في بحثٍ شاقٍ عن الكذبة و الخداع. و إن كَذِبْنَا, فمن الأفضل أن تكون كذبة أفلاطونية بيضاء, بدلاً من أن تدع فراغاً أيديولوجياً تملؤه الكذبات السوداء. الأدلجة الثورية أيضاً عليها العمل على مسح الأيديولوجيا البعثية أو الدكتاتورية السابقة, و منعها من اختراق العقول من جديد, و هذه مهمة كبيرة و صعبة, فاليوم هناك مؤثرات موجهة مشتركة تؤثر على الجميع(التعليم الحكومي العمومي مثلاً).
  6. التوعية و التعليم و بناء الإنسان واجبٌ ثوري و أخلاقي يجب التخطيط له على أكمل وجه, هذا جزء لا يتجزأ من المشروع اليعقوبي. إن على اليعاقبة بناء ملكة نقدية عند الفرد تستطيع تجاوز مشكلات اللحظة نحو حال أفضل, و تمنع أي دكتاتور أو مستغلٍ من الوصول إلى موقع سلطة في المستقبل.
  7. التعصب الثوري, و ذلك يحمل عنصرين إثنين. الأول, التطرف اتجاه العدو في الأمام, أي النظام السوري و الدكتاتوريات القمعية. و الثاني, التطرف اتجاه العدو في الخلف, أي الثورة المضادة و الطاعنين في ظهر الثورة. و كلمة تعصب نعني بها إما النصر أو الموت, لا للفشل. و يعتبر البعض أن “الموت” نوع من أنواع الفشل.. أي لا خيار سوى النصر. إن المتعصبين ثورياً لا يسمحون لأي تسويات أو استسلامات أو تملقات أو ابتذالات عن الرحمة و العفو. الثورة تخدم الناس, و المتعصبون للثورة يخدمون الثورة.
  8. الثورة تنطوي على فيضة عاطفية عارمة في بداياتها تشعر معتنقيها بالنصر المحقق و المطلق(المعنويات الثورية). هناك عادة طريقتين اثنتين لإضعاف المعنويات الثورية: الإفراغ النخبوي, سواءاً بقتل قادة الثورة و نخبهم أم حبسهم أم تهجيرهم. و/أو الزمن, حيث تخمد المعنويات مع الوقت. يدرك اليعاقبة هذا الأمر, و يحافظون على المعنويات الثورية, و يدافعون عنها معتبرين إياها عنصراً هو الأهم في المحافظة على الثورة و قيمها.
  9. يرتاب اليعاقبة من البيروقراطيات المتنافسة بين بعضها على الموارد و السلطة. لا أحد يحب منظر الكتل المعارضة و هي تشحذ مقعدين هنا و هناك, و تقتتل فيما بينها و تشل الثورة في الداخل و الخارج. هناك مبادئ ثورية و خطوط معينة يجب الاتفاق عليها, و من لا يتبعها ليس جزءاً من الثورة, و من اتبعها فعليه الانتظام تحت جسد شرعي واحد مع توزيع عادل للسلطات.. و إن لم ينتظم و آثر الانشقاق و الإعاقة… فإلى المقصلة.
  10. هذا يوصلنا إلى مركزية السلطة و صنع القرار. و مركزية لا يُقصد بها دكتاتورية الفرد, بل سلطة متفق عليها ديمقراطياً تحت الجسم الشرعي الموحد. إذا هيمنت دكتاتورية فردية فلم يعد إسم التيار يعقوبياً.
  11. و عن السلطة, فهي ضد الحرية, إنها التقييد و التنظيم و القسر, و لا يجب أن تستخدم السلطة إلا من أجل نصرة الثورة و صالح الإنسان. يشمل هذا تقييد الحريات و كم الأفواه و التعنيف عند الحاجة, إن السلطة الثورية تستخدم كل أنواع المنطق, بما فيها منطق القوة أيضاً, و إن التهرب و التخفي من مواجهة هذا الأمر يودي الثورة إلى الحضيض. و هذا ما يدركه اليعاقبة, و يرون به أهمية لتنظيم السلطة و توجيهها, و فصل السلطات عن بعضها, و عدم كشفها للعشوائية و الأيادي العابثة.
  12. و إن الدماء في الثورات تسيل بالتأكيد, و هو ما يدركه اليعاقبة و لا يمنعونه, و يرون أنه من الأفضل التحكم بسفك الدماء و إدارة المسفوك, بدلاً من تركها منفلتة عن عقالها.
  13. الثورة تأكل أبناءها, و اليعاقبة يتقبلون هذا الأمر بشكل تام.
  14. الوطنية السورية, و فقط السورية. إن المشروع الذي تحمله اليعقوبية السورية هو وطنيٌ و سوريٌ بحت. و هنا نصطدم مرة أخرى مع الدكتور برهان غليون صاحب المشروع العروبي. المشروع الوطني السوري, أقل كلفة و أكثر قدرة على التركيز و الحشد. هناك تعريفان يجب تحديدهما, الوطن, و سوريا. و ليس هذا سهلاً كما قد يبدو الأمر, فستظل مشكلة الوحدة الثقافية و التاريخية موجودة, فهل نعتبر لبنان سورياً؟ و هل نعتبر أنطاكيا التركية سورية؟

إن الوطنية السورية ليست تعصباً عرقياً أو زينوفوبيا اتجاه الآخرين, فالثورة اليعقوبية ترى في الإنسانية غاية لا وسيلة, و في المجتمعات الأخرى جمهوراً متساوياً لمبادئها, و الأهم, أن اليعاقبة لا يعرّفون وطنيتهم بالتمايز, و إنما بالجزم و الإثبات. و الوطنية بالنسبة لهم هي إدراك تاريخيٌ و معنويٌ لوطنهم و أبناء وطنهم مما يساعدهم على النمو و التقدم و فهم الذات و التخطيط للمستقبل. إنهم يطالبون بأن يكون السوريون سوريين قبل كل هوية أخرى.

  1. هذه الوطنية قائمة على علمانية لائيكية, تفصل الدين عن الدولة فصلاً تاماً و ترفض اقحام الدين في السياسة و توجيه المجتمع, مع ابقاء الاحترام على الجماعات الدينية الملتزمة بمبادئ الثورة.
  2. رفض جميع أنواع التمييز في شغل المناصب الثورية—و الغير ثورية—, سواءاً أكان حسب العمر أم الجنس أم القبيلة .. و جعل المعيارين الوحيدين هما الفعالية و الولاء لقيم الثورة.
  3. الاكتفاء الثوري الذاتي, و عدم الاعتماد على الأجانب في إغناء الثورة. و تصدير الثورة إن كان يراد لها التصدير لا بالحرب و إنما بإشاعة المبادئ و دعم معتنقيها. و إن وقعت حرب, فهناك تفانٍ مطلق لتحقيق النصر.
  4. لا يملك اليعاقبة عقد نقص اتجاه الآخر. لا يقارن اليعقوبي نفسه مع الآخرين, فهو موجود بذاته, و مثله الأعلى هو ذاته الأفضل, وطنه الأفضل.
  5. إن القيم اليعقوبية هي قيم مدنية و مدينية. و ليس ذلك تحقيراً للريف, بل إن الريف حليف متساوٍ مع المدينة, و العديد من اليعاقبة من الريف. إن التعبئة الثورية الأسرع لا يمكن لها إلا أن تحصل في المدينة, و إن النخب الثورية بأغلبها تأخذ المدينة مركزاً لها لحشد الثوار, و لا ينجح عادة في هذا إلا من يعرف بقيم أهل المدينة و يدرك كيفية مخاطبتهم و التعاطي معهم, لذلك يرتكز الفكر اليعقوبي على المدينة. أما السلطة, فأيضاً مركزها في المدينة أو العاصمة, و توزيع الموارد مركزه المدينة, فيما استخراج الموارد مصدره الريف. ليس المقصود هنا على الإطلاق أن الريف مهمش من قبل اليعاقبة, بل المقصود أن القيم السياسية تعكس قيم أبناء المدن أكثر من عكسها أبناء الريف. باختصار, الوحدة الأساسية للتجمع الديمغرافي محكومة بمعيار تنازلي ( يبدأ بالمدينة الكبرى و ينتهي بالقرية الأصغر) لا تصاعدي.
  6. الإنسان و الثورة غايات واجبة أخلاقياً. إلا أنه من المبرر لبلوغ هذه الغايات استخدام أخلاقيات براغماتية. مثلاً, كما تقول نظرية الألعاب: البدء بافتراض النية الحسنة للغير, ثم محاكاة سلوك الغير, فإن تعاونوا تعاونا, و إن أرهبونا أرهبناهم, و إن حاربونا حاربناهم.

(1) نادي سياسي ثوري(حزب سياسي بلغة اليوم) إبان الثورة الفرنسية, كان قد قاد الثورة حتى عام 1794. صاغ اليعاقبة شعار الثورة الفرنسية “الحرية, المساواة, الإخاء”, و دفعوا بإعلان حقوق الإنسان, فصل الدين عن الدولة, إلغاء العبودية, إعطاء حقوق الإنتخاب للجميع, و توظيف الديمقراطية المباشرة. يتجادل النقاد حيال تطرف اليعاقبة و دمويتهم مع خصومهم

* Haidt, J. (2012). The righteous mind: Why good people are divided by politics and religion. Vintage. Chicago

 

Advertisements

الحراك النسوي, نقده, و ما يتوجب عليه -الجزء الثاني-

436x328_2495_1907052

 

من الصعب صراحة البحث عن الشخص المناسب في التاريخ النسوي العربي أو السوري, فحتى بوجود أسماء مثل ثريا الحافظ, نجد لاحقاً ما يلطخ صفحتها في الذهنية الاجتماعية, مثل ميولها الناصرية و تغزلها بالدكتاتورية, و ردودها الغريبة و الدخيلة على النص الديني. ينتهي الأمر بأمثال ثريا الحافظ بأن يصبحوا مثالاً model كرتونياً مبالغاً به في الذهنية الاجتماعية, إذ هي تدعم دكتاتوريين يكرههم الإسلاميون كما العلمانيون, بالإضافة لوضعها على الطرف المقابل من الدين. و بهذا فهي تكون ورقة نسوية خاسرة في تعبئة المجتمع, كل المجتمع. و تعبئة المجتمع كلمة مفتاحية هنا سنأتي إليها لاحقاً. ثريا الحافظ و جيلها من النسويات, هي مثال على البدايات النسوية في المجتمع السوري و العربي, و التي و إن نجحت بتحقيق تقدمٍ ما, إلا أنها في ذات الوقت أسست لتريب و تخوف طويل الأمد من النسويات, خصوصاً العلمانيات منهن.

نمشي قليلاً إلى الأمام, لنصل إلى نسوية—أو شبه نسوية— ما قبل الربيع العربي, التي طغت عليها الرومانسية الروائية و الميتافيزيقية العاطفية. في هذه المرحلة, الفوبيا الاجتماعية من العلمانيين ما تزال موجودة. كانت الأنظمة العربية قد اعتقلت من تحتاج لاعتقاله من كل الحراكات, بما فيها النسوية, لتدع المجال لكل من هو غير مؤثر حقاً. و كما في سوريا, عرضت الحكومة بديلاً نسوياً مدجناً بالكامل, و بصفة دينية, يُسمى بـ “القبيسيات”, مشكّلة النسوية الدينية, التي استهدفت ميسورات الحال و/أو الغير مستقرات اجتماعياً. النسويات المتدينات وجدن حاضنة جيدة, أفضل من العلمانيات, لما تحمله الذاكرة الجمعية من شك بالعلمانيين, إثر دعمهم التاريخي للدكتاتورية العربية, و لو أن بعض النسويات العلمانيات كن قد أدّين عملهن الفكري بفعالية عالية, و اعتقلن و عذبن لذلك. آنذاك تَكَوَن تمييز إن لم نقل صدع بين النسوية العلمانية و النسوية الدينية.

لم تخب الذاكرة الاجتماعية بشكها بالنسوية العلمانية, فأغلب الأخيرات لاحقاً دعمن الثورات المضادة و الدكتاتوريات العسكرية, بمن فيهن النسويات المفترض منهن أن يكن “فاعلات” و اللاتي كن يحظين باحترامٍ نسبي. هذا أساء أكثر لشعبية النسوية العلمانية الكلاسيكية.

و من الاصطدام ما بين النسوية العلمانية و الدينية, تمخضت نسوية غريبة الأطوار, ذاتها التي سادت قبيل الربيع العربي. كانت هذه النسوية تحاول أن تكون حيادية أو مُرضيةً لكل الأطراف المتناقضة حولها, للحكومة, للعلمانيين و للمتدينين. يرى البعض—من بينهم أنا—أنها لا تستحق لأن يطلق عليها “نسوية” لما هي فارغة نظرياً. إنها ليست نسوية متأسسة على كتب و نظريات, و إنما مكتوبة فقط في الروايات. إنها لا تملك أساساً مبدأياً و إنما تعتمد على مسلمة عائمة في فضاء أنثوي يفترض الإجماع. تتصف هذه النسوية المهمة تاريخياً بما يلي:

1- هناك عدو, و هو الذكر الشرقي المهيمن الذي يرى بالنساء عبيداً. الحل للخروج من استعباده هو الاتجاه الصوفي نحو عبادة كيان واحد غير ذلك الذكر, إلى عبادة الله, الله كما في الأديان. يصل تصدير العبودية هذا أحياناً إلى أماكن غريبة, مثل التغزل الرومانسي بالله, كأنه هو النموذج الأصلي البديل للذكور.

2- إن المرأة تتساوى مع الرجل و هي مِثلُه, لكن المرأة في ذات الوقت كيان مميز و ذا كينونة فريدة.

3- الابتعاد عن نعت الحكومات بـ”الذكورية الشرقية” و “الأبوية” و ما شابه, و تعويض هذا بالنعت الشديد للمجتمع, و ذكور المجتمع بتلكم الكلمات.

4- تستهدف—كما قبلها النسوية الدينية—الطبقة الأنثوية المعرضة لعدم الاستقرار الاجتماعي, كالأرامل و المطلقات و المستعصىً عليهن الزواج و المراهقات. فهي تعرض مواساة لهن و صوتاً أنثوياً يفرض نفسه على أنه يفهمهن.

5- يمكن للمرأة أن تحظى بالسعادة و إن بقيت مغيبة (متصوفة), و لا داعي لأن تنشط سياسياً أو اجتماعياً بشكل ثقيل لكي ترى نفسها ناجحة و مساهمة. الكلام الصوفي العاطفي المعسول طغى هنا على أنه الحل لاكتفاء المرأة و تحقيقها لذاتها.

6- إنها متأثرة بالجناح النسوي لليبرالية الكاليفورنية التي تكلمنا عنها في الجزء الأول, لكن بتجلٍ غير سياسي.

كل الحراكات النسوية القديمة لم تتطرق أو تشخص أو تعالج المشكلة الأساسية للمرأة, هي أن النساء في مجتمعات الشرق الأوسط يكوّنّ مجتمعاً موازياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فبحكم الفصل الجنسي التاريخي, و عزل المرأة عن الرجل, أصبح للنساء مجتمعهن الخاص, مجتمعٌ للنساء فقط, و هو المجتمع التي تتعرض له المرأة في معظم الأوقات, و الذي تشكل معه شخصيتها و نموها الفكري و سيرورتها الاجتماعية, و بنفس الوقت بالكاد ما تتفاعل مع الرجل, ليكون هناك فراغاً عميقاً بين الجنسين. حتى “تحررهن” المفترض مع بداية الاستقلال عن الاحتلال الأجنبي و تكوين الدولة الحديثة هو جديد نسبياً, و ليس بالناجع حقاً. و أتت الحراكات النسوية الآنفة الذكر لتعزز حالة المجتمع الموازي تلك, فأصبح كيان كالقبيسيات فعلاً مجتمعاً موازياً واضحاً مميزاً لنفسه عن المجتمع و عن الذكور.

إذن, فالأمثلة النسوية السابقة فشلت في تحقيق شعبية معتبرة تساعد على قضاياها بالنبوغ و التقدم, بل لربما أعاقت الحراك النسوي أكثر من أنها أفادته.

لكن.. ما المهم؟ هل نحتاج لأمثولة نسوية من الماضي كي نفعّل الحراك النسوي الحقيقي في بلادنا؟ أقول, لا داعي أبداً, لا داعي لأن نملك رصيداً تاريخياً و تقديماً ماضوياً عما نحتاج نحن لفعله اليوم. على المرأة أن تعتمد على نفسها, لا على نساء أخريات, من أزمان مختلفة, أو أماكن مختلفة, مقيداتٍ بقيودٍ مختلفة ليفرضن عليها و على مجتمعها طروحات من سياقات مختلفة. و هذا ما حصل بقدوم الربيع العربي, الذي نسف كلشيء قبله, و حصل نبوغ رائعٌ لشتى التيارات الفكرية في ما هو أقرب لـ”ولادة من جديد”, إذ رُفضَ القديم, بل حُقِد عليه, و أخذ المحدِثُون على عاتقهم كتابة ((الأسس النظرية)) من البداية أو من جديد, و كان ليكتمل هذا لولا انقلاب الثورات المضادة. الحراك النسوي كان جزءاً أساسياً من الربيع العربي, و تشارك مع غيره من الحراكات في مشروع إعادة استحداث نفسه.

مع الربيع العربي و إلى الأمام في الزمن قليلاً, حمص / كانون الأول 2011. الراحلة فدوى سليمان, أنثى علوية تقود مظاهرة في حي الخالدية, واحد من أكثر الأحياء تقليدية و شعبية و “سنيّة” في المدينة, و حيث أغلب الحاضرين ذكور, و في أيامٍ محتقنة طائفياً. ما القصة؟ هل فدوى سليمان كانت تعلن تسننها أمام المتظاهرين؟ أم اعتناقها الذكورة؟ لا! كانت أنثى في حالتها الأكثر قوة و فخراً بالذات تقود جمهوراً أغلبه رجالٌ من طائفة مغايرة اقتادوا وراءها طوعاً, و إن ما وحدهم هو تعالٍ تجريدي مشترك يقال له “القضية”.

لم يكن من المهم آنذاك إذا ما كانت النسويات أم الشباب هم من ينظمون المظاهرات و يُسَيِرُونَ الحراك السياسي, أو إذا ما كانت فتاة أم شاب هو من يقود و يهتف بالمتظاهرين, و إنما كانت المظاهرة و غيرها من الأعمال الثورية يقام بها لذاتها. هذه القدرة على تطبيق شراكة تجريدية متعالية و متماسكة مع الوقت هو ما نطلق عليه “الثورة” أو بالأحرى ما يعطي “الثورة” معناها و حقيقيتها و قوتها. تلك كانت لربما اللحظات الأولى في التاريخ الحديث حيث تساوت المرأة مع الرجل. إنها من هنا لتستمد المبادئ للنسوية الحقّة, من ذلك التعالي التجريدي القوي لدرجة توحيدنا و تغييرنا و تعبئتنا جميعنا و الذي أطلقنا عليه اسم “ثورة”. لا تزال فدوى سليمان رمزٌ محترمٌ في خلد أكثر أضدادها في القضية تزمتاً.

من تلك الأيام, تم التسليم دون الرجوع إلى الخلف, بأن المرأة تقود و تثور و تشارك و تساهم و تفكر و تخطط و تنتصر و تفرح و تصاب و تنزف و تتألم و تحزن. باختصار, لم تعد النساء مجتمعاً موازياً, بل خرجن و بتن الآن شريكاً فاعلاً بالكامل مع الذكر, بتن يكتشفن القوة الحقيقية التي يتحسسنها مع كل خطوة يخطينها في الشارع تظاهراً, و كل صرخة يصرخنها في الساحات اعتصاماً. لم يعدن غريباتٍ عن أنفسهن ولا عن شريكهن الذكر, لم يعدن آخراً مخيفاً فوبياوياً بالنسبة للذكر. لا شك بين الجنسين الآن, إذ لا يشك المرء في من هو مستعد للموت معه. و تساوى الإثنان كل أمام واجبه اتجاه القضية المشتركة, توحد الرجل مع المرأة في القضية, في النضال, في العذاب, و اختلطت دماؤهم في ساحات التظاهر و ملاجئ القصف و زنازن التعذيب. الكل أدرك عدوه ببداهة غريزية, إنه الدكتاتورية, سواءاً نطقت على لسان بثينة شعبان, أم بشارٍ الأسد, و بدى أن جيلاً يافعاً جديداً سيحرر الجنسين من بوائد القمع السياسي و الاجتماعي.

فشلت هذه المرحلة من الربيع العربي بالنضوج بشكل عام, بحكم القمع الدكتاتوري, و الأهم, بسبب الثورات المضادة. كل تلك الحراكات الفاشلة المدجنة القديمة باتت عالة و عقبة كبرى, فإما تحولت إلى دعم الثورة المضادة, أو دعمت النظام الدكتاتوري. و بالفعل, كانت طعنة النساء المنتظمات في الثورات آتية من النسويات الكلاسيكيات اللاتي “بايعن” أو تغزلن بالأنظمة القمعية سواءاً المعادية أم المنقلبة على الثورة (مثال: نوال السعداوي, القبيسيات).

إن المفتاح موجود بتفجير التعبئة الاجتماعية التي حصلت في 2010 و 2011, و التي تبدو أنها توفر الأسس النظرية اللازمة من أجل كتابة مشروعنا المجتمعي و الإصلاحي. ماذا على الحراك النسوي أن يفعل كي يكون أكثر شعبية؟ كيف يجب أن يكون؟ ماذا يجب عليه؟ أو بالأحرى, ما هي واجباته الثورية؟

في البداية, على الحراك النسوي في بلادنا أن يقوم بأصعب خطوة عليه و أكثرها حاجة للشجاعة و الإقدام, و هي نبذ الحراكات النسوية الأخرى, تحديداً الحالية غربياً و السابقة محلياً. و تشخيص وضع النساء في الشرق الأوسط على أنه وضع مجتمع موازٍ, لا مجتمع منبوذ محقّر, و هو ذو سيرورة و سياق خاص به—فصل الجنسين—و يحتاج إلى الكثير من التأريخ و النقاش النظري, و أن يعي أن ظاهرةً كالعنف اتجاه النساء ليست موجهة إلى النساء خصيصاً, بل هي جزء من ظاهرة عنف عامٍ تتبع هرمية تنتهي بعنف—أو إرهاب—الدولة على قمّتها. إن هذه الخطوة هي الأصعب, فهي توجب على الحراك النسوي أن يؤسس نفسه من جديد, و أن يلغي الكثير مما يظن به مكاسب و انجازات. إننا بهذا الشكل نطالب الحراك النسوي بأن يكتب مبادئه النظرية دون الوقوع في أي من إغواءات التقليد, أي أن الكثير من العمل يجب أن يحصل, لا مكان للكسل, و سيكون هناك كثير من الإرهاق و لربما الخذلان. و لربما بتجاوز هذه الخطوة تكون النتيجة الطبيعة هي إعادة ابتكار النسوية من جديد, و تنصيع الصفحة النسوية عالمياً, لتكن نسوياتنا هن الأمثولة المثالية للنسويات المعاصرات, لا النسويات الغربيات.

من الواجب على الحراك النسوي الإصلاحي إن ولد, أن يعرّف بنفسه جزماً و يكتفي بوجوده دون اعتماده على التمايز و تعريف العدو و التعريف بالنفي. إننا ببساطة نطالب بالحراك النسوي بأن يكون. إننا لا نريد أن نرى أي حراكٍ نسويٍ, ولا نريد أن نرى نجاح نسوية فئوية تحقق ما تراه مكتسبات محدودة, إننا نريد منه أن يكون الحراك النسوي الأنجح و الأكثر فعالية على الإطلاق, ليكون أمثولة قاطعة للزمان و المكان و نقطة انعطاف تاريخية, كما أردنا تماماً من ثوراتنا في الربيع العربي أن تكون. و ليس من الثوري التقليد و الاستعارة, بل تجب الثورة علينا أن نبني مدرستنا النسوية الخاص بنا, و لربما نغير إسم “نسوية” كله إلى إسم أكثر ودية مع الذكور من أجل النجاح بتعبئتهم أيضاً لنفس المبادئ.

على الحراك النسوي أن يسأل السؤال التالي لنفسه, من نريد أن نعبئ و نستهدف بالمجتمع؟ النساء فقط, أم كل المجتمع؟ و عليه أن يجيب بـ”كل المجتمع”, أما تعبئة النساء فقط, فهو فخ سيؤدي إلى احتقار الحراك من باقي مكونات الشعب. و على عكس ما يُسَوَقُ عن الذكر الشرقي بأنه متعصب و مهيمن الخ.. إلا أن النتائج قد تفاجئ الكثيرين, فقد كانت مثلاً ردة فعل المجتمع الذكوري السوري الشاب في بلاد الاغتراب إيجابية نسبياً أمام العدد الملحوظ من خالعات الحجاب من الفتيات السوريات, و لو أننا لا نريد أن نختزل النضال النسوي بموضوع الحجاب فقط, و لنا حديث في هذا الأمر لاحقاً.

و ما إن استطاع الحراك النسوي الجديد أن يثبّت نفسه بأعمدته النظرية المتماسكة الأساسية و الأصيلة, و يحدد أهدافه المنظورة, و يجزم وجوده, و يدرك المفاتيح في الوصول إلى قلب المجتمع, أي يقيم معه مصلحة متبادلة و متفقٌ عليها, ليتماهى مع المجتمع و يكون جزءاً منه, يبدأ بعدها و فقط بعدها بتعريف عدوه, حينها يغدو عدو النسويات ليس عدواً للنسويات, و إنما عدواً للمجتمع كله. الترديد الببغاوي لكلمة باتت ذات بعد ميتافيزيقي كالـ”باترياركية” لا تجدي أبداً هنا, و اختراع كلمات أخرى لأدلجة الجمهور(الزبائن) توجب عليه حفظها سرعان ما ستخيف الزبون و تبعده. إننا أثبتنا تاريخياً عنادنا كمجتمع, فحتى في ثوراتنا, أي في أمس حاجتنا إلى تقنيات جديدة, ترانا نقاوم الدخيل(و هذا المقال قد يكون أحد الأمثلة), و ليس الحل في الإصرار على الدخيل, و إنما قد يكون هناك حلٌ آخر لم نحاوله بعد. إن في المجتمع الكثير من القيم, لربما كل القيم الممكنة, و على الحراك الإصلاحي أو الثوري أن يعزز مؤسساتياً القيم التي يريدها و يكسف و يثبط من القيم التي يراها سيئة, و ذلك دون الحاجة إلى كلمات دخيلة أو نخبوية تخيف الإنسان العادي. إن العدو آنذاك هو كل ما يمنع الحراك النسوي من بلوغ أهدافه, لا لإنه يعيق حراكاً, بل لإنه يعيق مجتمعاً بأسره.

عندما يصبح الحراك النسوي, حراكاً مجتمعياً, و يبني ثقة مع الأناس العاديين, ذكوراً و إناثاً, و يعرّف مصالحه مع مصالح المجتمع, و ازدهاره من ازدهار المجتمع, عندها بإمكان الحراك النسوي النجاح في عملية التعبئة الاجتماعية, و هو عملية بدونها لن يكتب له النجاح أبداً, و أريد منها أن تتعاكس مع عملية التعبئة الفئوية.

ما هي الأسس النظرية التي يجب أن يبني عليها الحراك النسوي نفسه؟

1- التفكير ضد العاطفة. على النسويات الوقوف بحزم اتجاه هذا الشبح, و حسمه لصالح الفكر, و التسويق على أن المرأة تفكر أيضاً, و ليست مجرد إسفنجة عاطفية.

2- معاداة الحراكات النسوية المضرة بالقضية النسوية, و الإقدام دون خوف عند التعريف بالنفي—و ذلك بعد الانتهاء من التعريف بالجزم—على أن يكون التعريف بالنفي حاوياً على الحراكات النسوية التي لا يجب على النسويات اتباعها, فهي تفيد في تحديد ما يجب تداركه من الحراكات الأخرى.

3- بناء صورة المرأة أمام نفسها, و مرة أخرى أقول موكداً, أن تكون هذه الصورة أمام الذات صورة جازمة, و كينونة كائنة موجودة بذاتها, و على مستوىً تجريدي ذهني. لا يجب أبداً أن تبني المرأة صورة نفسها من خلال دمج أمثلة مكتسبة إعلامياً أو اجتماعياً تملي عليها كينونتها, سواءاً كان مصدر الاكتساب هذا كاتبة أم ممثلة أم عارضة أزياء أم أستاذة دين أم حتى كبيرة النسويات. و لعل هذا العمل يبلغ من الصعوبة ما يبلغ, إذ من الصعب التحكم بالصورة الذهنية للأفراد, ناهيك عما تستهلكه النساء اليوم من قصف إعلامي و مادّي و مشاهدات يومية.

4- التسويق على أن المرأة ليست فئة أو مجتمعاً موازياً, بل دورها في المجتمع هو دور عضوٍ حاضرٍ متساوٍ مع غيره من الأفراد, عضوٍ استحق دوره في المجتمع بقدر ما هو فاعلٌ و مساهمٌ فيه. و لا نريد أن نقع في فخ الفعالية هنا, فنحن لا نريد أي فعالية, أو فعالية زائفة, بل فعالية مُثلى و محددة—و لا أقول محدودة—و معلنٌ عنها مسبقاً من قبل الحراك النسوي و المجتمع. أي, على الحراك النسوي أن يحمي المرأة من الانجراف في حركات زائفة, كما هي الكثير من الحركات في كاليفورنيا الأمريكية اليوم, أو ما تبدو حركات إصلاحية دولياً بشكل عام, و التي قد تخدع معتنقيها بأنهم يمارسون فعالية اجتماعية, إلا أنهم في الحقيقة ضائعون أيما ضياع. يبدو لي وجود خط رفيع حساس هنا لما قد يكون أداة للتحكم بالجانحين عن المجتمع, لكن, من الواجب النظري أن نستخلص الميكانيكيات اللازمة لكي نحقق الوقاية الفضلى من الزيف, مع المحافظة على الدور النقدي الفعال و البناء.

5- رفض التكلم عن العبودية تماماً, و لو كان على شكل تسوية سايكولوجية مع الدين أو المجتمع أو الحكومة. لا مكان في الحراك النسوي لعبودية الذكر, أو لتصديره نحو عبودية الإله, ولا لعبودية الدولة أو قائد الدولة. الموقف الفكري(الفكروية كما هي ضد العاطفية) إن اعتنقته النسوية, فسيوحي إليها بالنباهة النقدية الدائمة, و التي ستملي عليها لزوماً انتقادها البناء و الهادف لكل من المجتمع, الدين, و الحكومة, دون الانتهاء بتسويات صوفية قَدَرِية غريبة الأطوار. لا يجب في التأسيس النظري للحراك النسوي أن يملك مرجعية حكومية أو دينية لنظريته, و فعل هذا سيكون خطأ فادحاً.

6- على النسوية الجديدة أن تتخلص من التحلق حول الضحية. عليها أن تسوق لقوة المرأة, لا ضعفها و قسورها. الرجل أيضاً ضحية للكثير من المهاترات السياسية و الاجتماعية.. كلاهما ضحايا, لكن معاً, هم أقوياء.

7- في موضوع المساواة, على النسويات إدراك أن بعض الأمور يحتاج الرجال لأن يقتدوا بالنساء فيها, لا أن يغدو النساء كالرجال. إن الحل ليس في مساواة المرأة مع الرجل, بل أحياناً الرجل مع المرأة. إن علاقة المساواة يجب أن تكون تبادلية حسب القضية المتناولة.

8- تعزيز الثقة بين الجنسين, و اعتباره على أنه الطريق الأمثل لمجتمع صحي. و بلوغ هذا الهدف أمرٌ وارد و مسهل باعتبار أن جميع الحراكات بما فيها النسوية لا تزال مقموعة و صفرية و في طور التشكل, على شرط أن يظل الحراك متحرراً من تأثيراته الخارجية, الأمريكية منها خصيصاً.

9- في الدِين, ذكرنا سابقاً أنه لا يجب أن يملك الحراك النسوي مرجعية دينية. لكن عليه أن يحمي حقوق النساء المتدينات. على الحراك النسوي أن يفصل بين الدين—و ما يحمله من تصورات مسبقة عنه—و بين الفرد في المجتمع اللازم حماية حقوقه. أي, يمكن للمرأة المحجبة أو المتدينة أن تكون نَسَوِية عادية (غير قبيسية مثلاً), يمكن لها أن تكون قيادية و مديرة حازمة تنشد فعالية اجتماعية و حقوقية لكل أفراد المجتمع, و تكون مثلها مثل الغير محجبة في حساسيتها لحقوقها و دورها. إن موضوع الحجاب بالذات, لما هو من الدلائل السهلة عن خلفية الشخص (جنسه, طائفته, بل أيضاً مدينته أو جنسيته أو إثنيته), و لأن المحجبات يُرَوْنَ كأنهن فئة بذاتها في المجتمع مختلفة عن فئة الغير محجبات, هو موضوع على النسويات حلّه و مكاملته مرة واحدة و إلى الأبد في الحراك النسوي. إن حقوق المرأة المحجبة احتُكِرَت طويلاً لصالح فئة واحدة, دينية الطباع, فشلت في عكس مصالحهن الدنيوية, و لربما شعرن المحجبات بتمايز أو نفور أو تحقير من النسويات الغير محجبات لرفض الأخيرات القيام بمناقشة بيئة المرأة المحجبة و حماية حقوقها بل و التجرؤ على معيرة الحالة الغير محجبة على أنها الأمثولة النسوية. و هذا من الأسباب التي توجب على الحراك النسوي أن يبقى بعيداً عن المثال و التجسيد, و يبقى في الباحة الذهنية و النظرية و التجريدية, بل حماية التجريد و محاربة المثال.

لا يجب الاعتماد أبداً على الدعوات المجابهة للدين في تعريف المرأة النسوية, إنها ليست فقط تقصي المرأة المتدينة و المتحجبة عن الحراك, بل الأخطر, إنها دعوة نافية و جزءٌ من تعريفٍ بالتمايز. يجب أن تكون النسوية الجبهة الأخيرة و إن بقيت وحدها للدفاع عن حقوق النساء جميعاً, مهما اختلفن بالعرق أو الدين أو الطائفة, إنها هذه ما وجدت لأجله, و يجب أن تبقى موجودة لأجلها مهما حصل.

لا يجب أيضاً تهميش نساء الأكثرية على حساب اصطفاء المرأة الأقلوية و ذلك بحجة الظهور بمظهر عصري, بل يجب ضمان حقوق جميع النساء و تعزيز دورهن و قوتهن جميعاً دون النظر إلى دينهن أو طائفتهن أو أي من المحددات الوراثية أو الموروثة. أي, على نساء الأكثرية و الأقلية أن يكن كاملات التمثيل, و متوحدات أمام تعالٍ تجريدي مشترك.

10- محاربة تسويق الصور النمطية عن النسويات أو النساء بشكل عام.

11- تجنب الانعزال النخبوي للنسويات.

12- النسوية هي وسيلة النساء و المجتمع لحصول التغيير من الداخل, و وقايته من التغيير الخارجي و الدخيل.

13- استنتاج نطاقات التأثير التي تقدر عليها المؤسسة النسوية, مع الالتزام بها و العمل الدقيق على توسيعها المستمر, دون الانجرار المغري وراء “عولمة” القضية النسوية سواءاً بالتوريد أم بالتصدير.

و أرى بهذه خلاصة الواجبات التي نتحملها جميعاً في بناء مجتمعٍ أفضل, مجتمعٍ متماسكٍ يستطيع مقاومة العثرات التاريخية و الغير تاريخية ليتجاوزها أفضل مما كان. إن خطَّ هذا المشروع هو جزء من الواجب الثوري الحقيقي لكل امرئ يرى صالح الإنسانية في ما التزم به من مبادئ ثورية.و به أختم مقالي.

الحراك النسوي, نقده, و ما يتوجب عليه -الجزء الأول-

436x328_2495_190705

لا يبدو من الخفي الارتباك الذي تسببه الرسائل النسوية المتضاربة بين بعضها, و التي دائماً ما تكون جزءاً مسبباً لردات فعلٍ سلبية و مستغربة من المجتمعات, و ليس دونالد ترامب سوى مثالاً قادحاً في الرعونة التي قد تنتهي بها الحراكات التحررية الغير منظمة.

بالفعل, بات “اليسار” الليبرالي الكاليفورنيوي في شمال أمريكا عالة على الحراكات الثورية العالمية الأخرى, و عقبة معتبرة في بلورة النظرية الثورية و تقدم التطبيق الثوري و التعبئة الثورية. اليسار الأمريكي, ذلك الكيان الغريب على كل حراك ثوري في هذا العالم, المليء بالتخبط و السذاجة و الغارق بما بعد الحداثة حتى النخاع. إنه كما لو أنه تقولب على يد أعدائه ليكون بهذا التهلهل و التباين عن نفسه و عن مجتمعه.

من هذا اليسار الكاليفورنيوي تتأتى الحراكات النسوية في شمال أمريكا, الموجة النسوية الثالثة تحديداً و ما بعدها, و التي “تشع” بأفكارها إلى مناطقنا, و يرحب بها بعض نسوياتنا كم لو أننا غير قادرين على توليد نظرية خاصة بنا, كما لو أن ما ينطبق على مجتمع كالأمريكي ينطبق أيضاً على المجتمع السوري, أي كما لو أن السياق التاريخي للبلدين هو ذاته و هو ما لا يصح واقعاً.

و هذه ستكون الأطروحة الرئيسية لهذا المقال, حيث سيكون موجهاً لتبديد تأثير النسوية الأمريكية و تحفيزاً لبدء حراك نسوي خاص بالمجتمعات الأخرى , السورية تحديداً بحكم وجود سياق ثوري هناك. إنه سعيٌ للتحرر من الاستعارة و التعلق بأماثيل مأخوذة من “الآخر”, المتشربة بالرومانسية, و أيضاً بالتخبط المميِزِ لما بعد الحداثة, من الأمركة—أو تحديداً الكلفرنة.

ما ورثناه اليوم من كاليفورنيا, هو الطريقة المستحدثة التي يحتاجها أي حراك جديد من أجل تسويق نموذجه الفكري. حيث سابقاً كان عليك لتستطيع تسويق أيديولوجيتك, أن توفر نظرية قوية مدعومة بقوة سياسية تنفيذية و عسكرية ليتم لك النجاح و بلوغ المعيارية الاجتماعية. فيما اليوم, و مع الانحدار النسبي للصراع العسكري الدولي, و دخول بنىً ذهنية جديدة أثرت سلباً على التفكير الحر و النقدي و التجريدي و القدرة على التنظير, بنىً مثل التواصل الاجتماعي و التلفاز و غيرها, فلم يعد الأمر كما كان سابقاً. اليوم, لا تحتاج إلى نظرية قوية حقاً, و لا جيشاً عرمرماً أو بيروقراطية حكومية تنفيذية فاعلة, بل أنت بحاجة إلى أن تصل إلى أدوات التدجين الجمعي( التلفاز, التواصل الاجتماعي, دور نشر و تسويق.. الخ) و مجموعات الضغط و العلاقات العامة, لا لشيء سوى لكي تحصل وحدك على حقوق تكرار أطروحة حراكك, أطروحة ليست بالضرورة منطقية ولا محببة ولا مفيدة. تكرار الأطروحة, هذا هو المفتاح اليوم, و لكي تنجح هذه الأطروحات, يجب أن تتصف بصفات كالتالية: الأولى, أن تحصل على حقوق سياسية لتكرر نفسها و تصل إلى أدوات التدجين الجمعي كما ذكرنا.

الثانية, أن تكون الأطروحة بسيطة, لربما ساذجة, بل و غوغائية كثيراً ما تكون أقرب للتذمر و “النق” كما نقول بالعامية السورية, و ذلك لكي تحاكي الوصول السهل إلى عقول الناس, و لعل الأطروحة هذه تكون من البساطة المقصودة بما يكفي لكي تغطي على عيوب حراكها كله و جانبه المظلم, أي أداة للخداع.

الثالثة, العزلة الفئوية, أي أن يتم توجيه الحراك لا إلى عامة الشعب بل إلى فئة ما منه, مثل حقوق النساء, حقوق السود, حقوق المثليين..الخ و هذا الأسلوب الأخير يسبب عزلةً, بل اغتراباً, عن باقي مكونات الشعب, أو ما قد نطلق عليه الناس العاديين, الطبقة العادية. إنه يعزل مجموعة من الناس عن الكلِّ العضوي الذين هم جزء منه. إنهم يريدون إنقاذ اليد من الجذام ببترها عن الجسد.. و هم اليد هنا. إنهم يغدون بحراكهم أقرب لنخبة متكبرة على المجموعات الأخرى, إذ كثيراً ما يسخر هذا الحراك المؤسس حديثاً من طريقة حياة “الناس العاديين” أولئك, و كأن السخرية هي البديل عن النقد و التبديد النظري. و السخرية الليبرالية أو “التحررية” من حياة الناس العاديين, عندما تغدو غاية لا وسيلة, تصبح داءاً ينخرُ في الحراك التحرري, و يمشي يداً بيد مع الصفة الثانية التي ذكرتها أعلاه.

 الرابعة, التعريف بما ليس عليه المرء, لا بما هو عليه. أي, لنأخذ مثالاً, حراك حقوق السود, إنه لا يبني لنفسه شخصية سياسية مستقلة, و لا كينونة معرّفة بذاته, بل هو موجودٌ فقط بتمايز عن الآخرين, إنه يعرف نفسه بالنفي, من هم السود؟ إنهم كل من ليسوا بيضاً ولا سمراً ولا صفراً.. لن تجد تعريفاً جازماً مثل “هم كل من بشرته سوداء و يملك أجداداً أفارقة جلبوا قسراً لاستعبادهم في أمريكا”. إنهم يفضّلون التعريف بالتمايز, بالعداوة, لا بالحضور. هذا ما يفسر أحياناً غزل أو تحفظ الكثير من اليسار الأميركي المخدوع مع الأسد, فنظام البعث يعرف نفسه أيضاً هكذا, و يستمد شرعية وجوده بالتمايز و النفي.. بالتمايز عن إسرائيل و النفي عن الصهيونية, و حارب بضراوة كل محاولة للجزم الوجودي لسوريا. استطاع الأمريكيون(بمن فيهم اليمين و المحافظين) رد حراك السود الأخير في أمريكا Black Lives Matter بتقديم شعار مضادٍ يواجه هذه الفئوية و التمايزية بـ All Lives Matter و الذي طغى على شعار السود بسهولة. هذه الصفة تحديداً, أراها الأكثر خطورة لما تنتج من إنكار و تخبط و ارتباك وجودي.

الخامسة, الاستخدام المسيس للعِلم. حيث يتم طرح أرقام علمية, إحصاءات و غيره.. لكن لا داعي أن يكون هناك (منهجية علمية). إنه (علم) بدون (منهجية علمية). إنها أرقام تستخدم باسم العلم لإثبات رسائل أيديولوجية متحيزة تماماً.

السادسة, أبقت من المبادئ القديمة للأدلجة أمراً مهماً, و هو “السكوت عن بعض الحقائق, و الكلام عن بعض الحقائق الأخرى”. أي فعلياً, عدم إيصال المعلومة كاملة, و إذاعة ما يفيد الحراكَ فقط.

السابعة, إنهم يرون العالم بعيون أمريكية بحتة. كأن كل ما ينطبق في كاليفورنيا ينطبق أيضاً في كابل و دمشق و الرياض و موسكو و برلين و لندن.

الثامنة, التحلق حول دور الضحية, عبادة الضحية بالأحرى. و هو مبدأ انتشر بسرعة بعد الحرب العالمية الثانية, عندما نجحت بعض الشعوب بتفعيل أجنداتها, بل بإقامة دول مستقلة بسبب تحلقها حول دور الضحية و الندب و النواح و استضعاف الذات و الغلابة.(اسرائيل مثالاً).

إذن, هذه هي التحررية الكاليفورنية, التي تلون الحراكات المحسوبة على اليسار في أمريكا الشمالية. و بعد التقديم لها, نبدأ بنفض الغبار عن آثارها النسوية.

النسوية الأمريكية, و عندما نقول أمريكية هنا لا نعني أنها فقط في أمريكا, بل ولدت في أمريكا و توسعت لاحقاً لمناطق أخرى, و هي أثرت و تؤثر بالنسويات الشرق أوسطيات. ما قصتها إذن؟ لماذا أتهمها( و لست لوحدي أبداً) بالتناقض و الارتباك و أصفها بالعالة و العقبة؟

إن النسوية الأمريكية تستمد مقوماتها من الصفات الثمان التي ذكرناها. بهذا هي:

– لا تملك تماسكاً نظرياً, و هو سبب تناقضها الذاتي. على سبيل المثال, يعادي الحراك النسوي أشد العداء “تشيؤ المرأة” و عدّها أداة متعة جنسية (و هو صراحة من الأفكار الرائعة التي طرحها الحراك). لكن للمفاجأة لا يملك مشكلة مع صناعة الأفلام الجنسية الإروتيكية(الرائدة في الولايات المتحدة), على شرط أن تكون “إروتيكية=محفزة جنسياً Erotica” لا “تحقيرية” أو “تعنيفية شديدة hardcore”. و للمفاجأة, فإن من يعادي صناعة الأفلام الجنسية هم حركة حقوق الرجال! و اصطدم هؤلاء مع الحراك النسوي في هذه القضية. يبدو التناقض كبيراً هنا, فهم تارة يرفضون العباثة الجنسية بالمرأة, و تارة يتسامحون مع ما قد يكون أخطر محفز على تصوير المرأة على أنها أداة للمتعة و الجنس. إذاً إما مبادئهم النظرية هي حبرٌ على ورق, أو مهاراتهم في تطبيق مبادئهم الأساسية تكاد تنال علامة الصفر, و في كلا الحالتين, هذا سيء و مثبط.

– إنها تعرف نفسها بالتمايز, عن من؟ نستطيع أن ندرك الجواب بالنظر إلى الإسم “نسوية”. هناك كلمة سحرية يكررها الحراك النسوي, و هي جزء من ثقافة أدلجة البساطة التي يتصف بها, و هي “الأبوية= الباترياركي”. هناك, نرى قمة الأيديولوجيا و التسليم الميتافيزيقي. إنه الشر, الشيطان, العدو الأكبر, ابليس الذي يجب أن يتعوذ المرء منه, إنه يكاد يكون أقرب لنظرية المؤامرة, السبب في كل مصائب هذا العالم, “الأبوية”, إنها كما لو أنها فرصة لتطهير العواطف كما ذلك المشهد من رواية 1984 لأورويل عندما يفجر الناس كل أسباب غضبهم على ذلك الشخص في الشاشة. الباترياركي هي “إسرائيل” بالنسبة لحزب البعث, إنها العدو الأكبر, العدو الذي يعتمد عليه البعث لكي يكون موجوداً, العدو الذي يجب أن ترمى إليه كل الشتائم و التحقيرات و أسباب الفشل و التخلف و سوء الحال. الرسالة التي تصل بالنهاية و التي تثير حنق النصف الآخر من المجتمع هي أن الأبوية لا يحملها إلا الذكور, و لا يمارسها إلا الذكور. الشر سببه الأبوية, و الأبوية سببها الذكورة.

للعلم فقط, يدّعي الحراك النسوي المُأمرَكْ إمكانيته لتعريف “الأبوية”, لكنه لا يتفق على تعريف واحد للـ”نسوية”, و لربما, هذه من المواقف الرئيسية التي تذكرنا بالأساليب الدكتاتورية في إرباك المجتمع و تثبيطه عن السعي وراء الحقيقة. يحاول التيار النسوي السائد الآن تعميم أحد التعاريف “الحراك المطالب بالمساواة للجنسين”. و نقول سائد لإنه يخالف بعض التيارات النسوية الأخرى كالنسوية المتطرفة.

أيضاً يدّعي هذا الحراك النسوي, أنه ليس موجهٌ للنساء فقط, بل أيضاً للرجال. و هو أيضاً ما تخالفه الحقائق الموضوعية التي لحسن حظنا أتت من بعض النسويات الناقدات للنسوية, اللاتي قدن دراسات أثبِتَتْ علميتها و قلن صراحة بسوء تسمية الحراك بـ”نسوي” لما يودي إلى دعوة لتنفير و إقصاء و تهميش الرجال بما هو أقرب بالرفض للذكورة, ذاكرين أن الأغلبية الطاغية المطلقة من الحراك النسوي مؤلفة من نساء, و لا يشكل الرجال بأي حال من الأحوال نسبة متساوية مع النساء. و هذا, من الأخطاء الكبيرة للحراك النسوي, فهي يستحيل لها مهما فعلت أن تعبئ نصف المجتمع أو أكثر. و ليحزنني هذا أشد الحزن, فالكثير من المبادئ النسوية تستحق أن تكون عمومية, سائدة في المجتمع, لا مجرد عينة فئوية بسيطة منه, لا مجرد( بأفضل الأحوال) 50% منه.

يشكك الكثيرون بصراحة توجيه النسوية الأمريكية دعوتها للرجال للانضمام إليها. هناك في شمال أمريكا حراك من الرجال النسويين المنشقين عن النسوية, الذين شكلوا ما يسمى حركة حقوق الرجال قبل انشقاقهم, ظناً منهم أنهم بهذا يقدمون دورهم في المساواة الجنسية ضمن الإطار النسوي و متحالفين مع النساء النسويات, لكن الأخيرات سرعان ما طردن حركة حقوق الرجال و اتهموهم بالأبوية و كره النساء و ضغطن على الحكومة لحجبهم و محاكمتهم بتهمة التمييز الجنسي. حركة حقوق الرجال اليوم حركة منشقة عن النسوية(أو بدأت منشقة عن النسوية فيما هي اليوم تنمو بانضمام كوادر جديدة). قامت إحدى النسويات بعمل فيلم وثائقي عنهم سمّي بـThe Red Pill لينتهي بها الأمر نهاية مثيرة للاهتمام, حاولت النسويات بسببها حجب الفيلم عن العرض. هذا الاصطدام بات حرباً بين الجنسين Gender war سببه كثير من سوء التفاهم, كثير من سوء النية, و قليل من التماسك النظري.

– إنها عاطفية. الشبح الذي يجب على النساء أن يهربن منه, و الذي كان من المفروض على النسوية أن تساعدهن به, ليفشلن به في النهاية, بل ليعززنه. لا يمكن تجاهل كل التوثيقات المرئية و المكتوبة التي تدل على اللهجة العاطفية للنسويات المأمركات, و عادة ما تكون هذه العاطفة هي الغضب. اشتهرت في الفترة الأخيرة Big Red, و هي نسوية تنشط في كندا, كانت فيديوهاتها “الغاضبة” بمثابة هدية على طبق من ذهب لليمينيين و المحافظين في شمال أمريكا. إن طريقة استعراض الحجج بطريقة تجريحية, ساخرة, عاطفية غاضبة, لا توصل سوى شعورٍ بالاشمئزاز بدلاً من الاقتناع.

– إنها تسكت نسبياً عما يبدو بوادر تغيرات مشرقة و تعاوناً بين الذكور و النساء, و تسوق للإضطراب المستمر السرمدي الخالد بين الجنسين, كأنها تمنع أي أفق للتعاون من أن يزدهر.

– إنها تستخدم عِلماً بدون منهجية علمية, و تلوي عنق الأرقام لكي تلبي رغبات مشاريعهن, هي متحيزة علمياً بشكل عام. و تستخدم العلم المتحيز هذا كمرجعية, موضعة إياهم بمنطقهم الدائري الخاص.

– إنها ترى أن القمع الممارس على النساء في أمريكا هو نفسه القمع الممارس على النساء في مكان آخر, كالشرق الأوسط مثلاً. السبب؟ السلطة الأبوية الباترياركية طبعاً. مثلاً, تعميم الصورة النمطية للمرأة في أمريكا على المرأة في مناطق أخرى, كالصورة النمطية عن المرأة الأمريكية بأنها ضعيفة في الرياضيات, و التي تعممها النسويات كما لو أنها متلازمة بكل نساء العالم!. إن سبب الفقر الذي منع فتاة من شراء الآيفون الجديد في نيويورك, هو نفسه سبب الفقر الذي أدى بفتاة في بانكوك إلى سوق النخاسة الجنسية الدولية. إن سبب منع المظاهرات النسوية في سوريا, هو ذات سبب منع المظاهرات النسوية في واشنطن. إن السماح للنساء بدخول الجيش, لقتل أناس من شعوبٍ أخرى, هو تحرر, أما الكف عن التجييش, فهو مسكوت عنه, و ويلٌ للجيش المؤلف من ذكورٍ فقط, فهم معادون للنساء. (مسألة دخول الإناث للجيش مسألة مثيرة للجدل). و الأسوء, هي تملي على النساء من السياقات الاجتماعية الأخرى كيف يفكرن عن أنفسهن, مثلاً, المرأة الشرق أوسطية ستظل ناقصة لإنها متحجبة, كمال المرأة الشرق أوسطية مشروط بخلع الحجاب.

– تصنيم الضحية, بل عبادة حالة الضحية. إنها من الرسائل المتناقضة التي تكلمنا عنها. لا يكاد يوجد في أيٍ من الأدب النسوي الأمريكي ما لا يسوق لأن المرأة ضحية الرجل, أو الباترياركية, أو النظام الحاكم, أو المجتمع السائد. إنها عقدة التمسكن( من مسكين), عقدة هي أيضاً من الصورة النمطية التقليدية للمرأة, التي كان من المفروض أن تساعد بها النسوية لأن تخرج النساء منها. حيث بدلاً من أن يتم التسويق لقوة إرادة المرأة في تقرير ما تريد, و بلوغها لاستحقاقاتها الطبيعية في مواجهة كل المصاعب, نرى الكثير من الاهتمام و الطاقات البلاغية مصروفة على العداوة و التجييش ضد العدو الميتافيزيقي. المرأة تُضرب, المرأة تُغتصب, المرأة تُطرد, المرأة تُشيَئ, المرأة تُستغل, المرأة تعمم عنها صور نمطية… باختصار, المرأة ضحية, دائماً ضحية.

متى تكون قوية؟ يجيب النسويات (إن أجابوا), عندما ترمي دورها التقليدي النمطي و تكسره لتشغل مكاناً لانمطياً, بحجة أنها تريده لنفسها. و يتخذ النسويات رمزاً لهن بوستر المرأة الأمريكية العاملة في الحرب العالمية الثانية مع عبارة We Can Do It, باعتباره كسراً للنمط البائد بأن المرأة لا تعمل, و لا يتكلمن للحظة عن أن سوق العمل للنساء فُتِحَت أساساً من أجل صناعة السلاح للجيش ((الذكوري)) المحارب على الجبهات و تمويل الحرب, حربٌ توصف في تلك الآداب نفسها بأن سببها و دافعها هو الباترياركية الذكورية. صراحة, ما أرادوا قوله هو أن المرأة القوية هي التي تستعرض كسرها للنمط, و لا داعي لأن تملك إرادة في هذا, و ما يُذكر عادة كمثال هنا هو أن تغدو عاملة بناء, أو سائقة شاحنة. هذه “السطحية” أدت بالنسويات إلى نمط ظاهري و استعراضي ملحوظ, نمطي عن النسويات لسخرية القدر! الشعر القصير(المصبوغ عادة بلون غريب), التدخين, الثياب الذكورية, التظاهر السياسي المدموج بالتعري, فاجرة و أم حلق و جاعور؟… كلها باتت صوراً نمطية عن النسوية. و هو ما تنبهت إليه النسويات نفسهن, و بدأن بمحاولة السيطرة عليه و نقده و تقنينه لما بات ينقل صورة سلبية و مزعجة.

هناك أيضاً الخيارات السياسية و التمثيل الجنسي لجوائز و شواغر عادة ما تعطى لمن يستحق بقدر المساهمة التي قدمها أو قدمتها بغض النظر عن الجنس. في 2016 تخير الشعب الأمريكي بين خيارين فقط في الانتخابات الرئاسية, بين سيء و أسوأ, و يقول البعض بين أسوء و أسوء. بخسارة هيلاري كلينتون, كان رد بعض النسويات أن السبب هو لأن هيلاري أنثى بمهبل! و أغلب المصوتين الذكور اختاروا ترامب الكاره للنساء. كأن كلينتون للحظة تغدو ملكاً من السماء, طاهرةً نقيةً برئية, سويةً و محبوبة سياسياً.. لكن ألا ليت! لو أنها ملكت قضيباً فقط, لكان العالم يعيش بسعادة أبدية. أوليس هذا ما قصده فرويد بـ”الغيرة من القضيب” التي قال بأن النساء تملكنها, و التي تم شيطنتها من قبل النسويات و وصمن فرويد بكراهة النساء بسببها؟ أظن أن تسربل “الغيرة القضيبية النسوية” هو من المآخذ العبثية التي يقع بها الحراك النسوية مرة تلو مرة. أما بالنسبة لـ”دمقرطة” التمثيل الذي من المفروض أن يكون استحقاقياً, فهو أمرٌ خطير لا للمجتمع, ولا للذكور و حسب, و إنما للمرأة بالمقام الأول. في 2014 حصلت مالالا يوسف أزادي على جائزة النوبل للسلام, لتكون أصغر حائزة على جائزة النوبل في العالم. بالتأكيد, قامت مالالا بأمر إيجابي و بنّاء, و تستحق لأن يقال عليه عملاً خلوقاً. لكن, المشكلة هي التالي:

  • 1- ما قامت به يجب تعميمه و مَعيَرَتَهُ كقيمة يجب لكل مرأة—أو رجل—أن تقوم بها, لا جعل هذه القيمة حالة شاذة فردية تستحق البطولة و المكافأة. إن جعل مالالا نبية من أنبياء حقوق الإنسان و التعليم و الآن, النسوية أيضاً, هو فصل لها عن مجتمعها, إنها الآن بالنسبة للباكستاني العادي جزءٌ من النخبة! و قيمها هي قيم نخبة! بالنسبة لمن يراها بإيجابية هي بطلة, لكن البطلة شخصٌ له قوىً خاصة لا يمكن—أو من الصعب جداً— للشخص العادي أن يبلغها. فيما كانت سابقاً قيمها هي قيم امرأة عادية من مجتمع عادي تناضل للتغير نحو الأفضل, و قسمٌ واسع من المجتمع إن لم يكن كل المجتمع من ورائها و متطبع بنفس القيم. و إن اختزال كل الوجوه و الأسماء التي عانت و ماتت من أجل تحقيق نفس القضية بوجهٍ واحد و إسم واحد “مالالا”, و بل و إغداق المكافآت على مالالا دون أي أحدٍ غيرها, لا يمكن إلا أن يكون سبباً للانزعاج من مالالا أو رفض لها أو تثبيط و إخصاء لمجتمعها.
  • 2- ماذا عن النساء الأخريات اللاتي قمن بنفس هذا الدور, لكن دون القدرة على تغطيتهن و مكافئتهن؟ ماذا عن سيدة أفغانية قامت بنفس ما قامت به مالالا و من نفس عمر مالالا, و لكن لم تكن ((محظوظة)) كفاية بوجود إنترنت لديها, أو قدوم المصورين الوثائقيين لتوثيق حياتها. كيف سيرون مالالا؟ كمثال جيد يحتذى به؟ أم كحسرة تزيد أسى العالم على المرء و تدعم التسليم القدري بالحظ في هذا العالم؟
  • 3- بدلاً من تعزيز قيم التعاون و التكاتف من أجل كف الظلم, فإن ما حصل من تغطية لمالالا هو تسويق لقيم الأنانية و الفردانية الساذجة, لننظر مثلاً لعنوان الكتاب عن مالالاI Am Malala: How One Girl Stood Up for Education and Changed the World. ما المشكلة هنا قد يسأل البعض؟ أقول, إن شخصاً واحداً لا يغير العالم! و هذه سذاجات رومانسية, و رائحة الفردانوية الأمريكية تشع من هذا الإسم, إنه يصلح ليكون عنواناً لفيلمٍ هوليوودي, لا لواقع معاش. آخر ما نحتاجه هو خياليات في حركات العالم الإصلاحية اليوم. إن تغيير العالم يأتي بالتعبئة الاجتماعية و التعاون و التكاتف, و هناك دائماً في الحركات الإصلاحية الناجحة المئات و لربما الآلاف من الجنديين المجهولين, لا فقط الشخص المترأس, و النجاح هنا يجب أن ينسب لكل المجتمع الذي حقق هذا.
  • 4- إنها تعزيز لفكرة أن الظهور الإعلامي هو ما يجلب المكافأة و الاعتبار و الدعم, و لا قيمة حقيقية للعمل الموضوعي و المثابرة و المساهمة إذا كان بصمت أو معتم عليه أو لا يمكن تغطيته. و هنا تقع إحدى المشاكل بالنسبة لأولئك العاملين من باب التطوع و/أو موجهين بأخلاقيات واجبة, إذ أنه من الممكن تثبيطهم و تحويل انتباههم نحو المكافأة و التثمين.
  • 5- و يا خوفي من هذه, و أتمنى ألا تكون صحيحة. لكن قد يكون ما حصل بمالالا قد ساهم به الفكر الاستشراقي. كوفِئَت مالالا الباكستانية على قيامها بنشاطاتٍ إصلاحية بوجه الطالبان, و هو تنظيم عسكري أفغاني, حيث امتد—انسكب spillover— الطالبان إلى المناطق الحدودية الباكستانية و حسب, دون رغبة بالسيطرة على باكستان أو وجود أجندة ضد باكستان تحديداً. إنها مثل وصول بعض الميليشات الإسلامية المعارضة في ريف دمشق إلى جبال القلمون اللبنانية بحكم سيرورة تاريخية خاصة, حيث لا يملك الأخيرون أجندة مباشرة ضد لبنان, و وجودهم هناك مؤقتٌ أساساً. و هذا ما حصل بالنسبة لقوات الطالبان الذين دخلوا منطقة مالالا الباكستانية آتين من أفغانستان.

بتأثير من التفكير الاستشراقي, لربما العقل الغربي الذي أغدق بالجوائز على فتاة باكستانية, لا يدرك الفرق بين أفغانستان و باكستان في النزاع مع الطالبان, و يبدو هذا ممكناً بمتابعتنا للطريقة المتداخلة التي يغطي بها الإعلام الغربي الحرب على الطالبان, و أيضاً بملاحظة الطريقة الساذجة التي يتعامل بها الأمريكان و لربما غيرهم من الشعوب الغربية مع العالم.

الطالبان حركة إسلامية أفغانية متطرفة, و كان من الأولى أن يتم تغطية فتاة أفغانية أو مجتمعٍ أفغاني يتحرك ضد الطالبان من الداخل, لا شخص من بلدٍ آخر, شخصٍ قد يوصف بالغريب, و هو يعادي عداءاً طبيعياً من تعدى على أرضه في مواجهة عابرة.

  • 6- ماذا عن الإسلاميين الذين يملكون ميولاً إصلاحية, و الذي يتحسسون من موضوع مكافأة الغرب لفتاة قاومت حركة إسلامية؟ ألا يعزز هذا تعصبهم الديني؟

إن التمثيل الجنسي دون مراعاة الجدارة العملية يثير شك الذكور باستحقاق الإناث لمنصبهن أو جوائزهن, و هو ما لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن ينتج مجتمعاً صحياً متناغماً. إن مجرد بدء الشك بإسهامات النساء و تحيز النسويات, قد ينتج عنه قلاقل إجتماعية لا خير منها, و مالالا أعلاه مجرد مثالٍ واحد.

هل يجب على الحراك النسوي أن يستمر هكذا؟ لا, ليس هنا على الأقل, و ليستمر هناك إن أراد. في الجزء الثاني نبدأ التكلم عن الحراك النسوي في بلداننا الناطقة بالعربية, و سياقها مع ثورات الربيع العربي.

الجلسة العاشرة – النقد الفكري-الديني في العالم العربي

Religion, Culture, Society

عالجت هذه الجلسة أشكالاً مختلفة من النقد الفكري-الديني في العالم العربيمن خلال تناول نصّين: الأول مأخوذ من كتاب للمؤلفة اللبنانية إليزابيث سوزان كسّاب (حالياً رئيسة برنامج الفلسفة في معهد الدوحة للدراسات العليا) يحمل عنوان الفكر العربي المعاصر: دراسة في النقد الثقافي المقارن (صدر الكتاب بالإنجليزية عام 2010 وبنسخته العربية[1] عام 2012)، ويتناول أمثلة عديدة على الفكر النقدي الديني في العالم العربي (كمحمد أركون، نصر حامد أبو زيد، حسن حنفي، وغيرهم)؛ فيما النص الثاني يعود للكاتب الفلسطيني إبراهيم أبو ربيع (توفي عام 2011) ويتناول تحديداً مراجعات راشد الغنوشي (مؤسس حركة النهضة التونسية) للفكر الإسلامي السياسي.

View original post 955 more words

بسام طيبي و نقده للقومية العربية

436x328_2495_190705

لا بد أن بسام طيبي أحد أكثر النقاد المظلومين في عالمنا الناطق بالعربية اليوم, و يعود ذلك لدرجة ما إلى ما ينتقد عليه دائماً, أنه نادراً ما كتب بالعربية, هذا إن كتب بها أبداً. و لعلها الArabiblophobia “الخوف من المكتبة العربية”, التي تصدم عدداً المفكرين و القارئين بالعربية على حد سواء, فلم يرق محتوى المكتبة العربية السياسية الحديثة أبداً إلى أكثر من البروباغاندا أو الغوغائية و التفسيرات المبتذلة أو ما فُلتِرَ بشكل ثقيل عبر الرقابة الحكومية, مما يشجّع على تصدير الرأسمال الفكري الناطق بالعربية إلى لغة أخرى. و لربما هو غرور طيبي نفسه. على أية حال, لسنا هنا للحديث عن حالة بسام طيبي, بل عن فكره و مساهمته المتجسدة في كتابه المكتوب بالإنكليزية Arab Nationalism: A Critical Enquiry(1) “القومية العربية: مساءلة نقدية”

ولد بسام طيبي في دمشق 1944, و هاجر إلى ألمانيا الغربية سنة 1962 ليحصل على الجنسية في 1976, و تخرج في مجال العلوم السياسية و العلاقات الدولية من جامعتي هامبورغ و غوته في فرانكفورت تحت اشراف ماكس هوركهايمر و أدورنو رواد مدرسة فرانكفورت النقدية. و بنيله الدكتوراه بدأ يعمل في الأكاديميا, فحاضر في جامعات غوتينغن و هارفرد و كورنل و برينستون و بيركلي و ييل و الأمريكية في القاهرة و غيرها من الجامعات المرموقة. تركزت دراسته على الجاليات المهاجرة في الغرب و اندماجها, المسلمة منها خصيصاً, متتبعاً رحلة عدم الاندماج حتى تشكل “المجتمعات الموازية”, و قارن معها آراءه في التطرف(الإسلامي و الأوروبي على حد سواء). و صاغ اصطلاحات مثل “الإسلام الأوروبي” و “Leitkultur الثقافة المهيمنة/القائدة” محرّكاً نقاشاً فكرياً واسعاً في أوروبا لا زلنا نسمع أصداءه حتى اليوم. يزاوج في فكره بين ماركسيته—التي اعتنقها عقداً من الزمن قبل أن يتركها—و أرستقراطيته الشامية الملبرَنة, و تأثره بالفلسفة الأوروبية العلمانية, الألمانية تحديداً بحكم دراسته, مع أصوله الشامية السنّية المسلمة و الفلسفة الإسلامية. يعتبر لسانه لاذعاً في نقده للإسلاميين و أبناء بلده و ثقافتهم الدينية و السياسية, و تبين ذلك في الفترة الأخيرة ببعض “الشطحات” و التدقيقات اتجاه اللاجئين الحديثي العهد في أوروبا. بالرغم من هذا, لسنا بصدد آرائه الشخصية, بل نستعرض كتابه المهم عن القومية العربية المذكور أعلاه.

كان مشروع طيبي وراء هذا الكتاب, أن يتتبع الأصل الأيديولوجي الأوروبي الأول للفكر الوطني القومي العروبي, و ذلك باعتبار أن الوطنية مفهوم ولد في أوروبا و تم توريده إلى العالم العربي, و هو ما استغله الإسلاميون لاحقاً في نقدهم للدولة الوطنية. بدأ الفكر الوطني أو القومي بالظهور في بداية الأمر بأوروبا بعد الثورة الفرنسية في نهايات القرن الثامن عشر, و اتصفت المدرسة الوطنية الفرنسية بالليبرالية و احترام حقوق الفرد و العقلانية و حرية الاختيار, و لمع في بلورة هذه الأفكار الفيلسوف الفرنسي رينان. و بتوسع الثورة الفرنسية جغرافياً و عسكرياً, بدأت الحركات المضادة تنمو ضد الاحتلال الفرنسي, فكانت المدرسة المضادة, المدرسة القومية الألمانية, و هي مدرسة رومانسية تقوم على الاعتزاز بثقافة و شعب و أرض مسقط الرأس مهما كان هذا المسقط, و التسليم الميتافيزيقي بوجود قيمة و انتماء مقدس غير قائمٍ على الإرادة الحرة مع هذه العوامل البيئية الموروثة, في رابطة عمادها (المجتمع) لا الفرد أو الإرادة الفردية. و بالرغم من وضوح الرائحة الفاشية و النازية من المدرسة الألمانية, إلا أن طيبي ينصحنا بعدم التسرع بهذا الحكم, و يلفت نظرنا إلى طبيعة المؤثرات التي أدت إلى ولادة هذه الأيديولوجيا, و هي جهوزية المجتمع لهذا النوع من الحث الأيديولوجي, و الحاجة إلى أيديولوجيا قوية تستطيع مقاومة الاحتلال الفرنسي المدعوم بأيديولوجيا قوية و هي الكوزموبوليتالية الليبرالية. لمعت عدة أسماء في المدرسة الألمانية, مثل فيخته و هيردر, إلا أن طيبي, كما ذكرت, لا يعتبر فيخته و هيردر و أمثالهم “فاشيين” أو متعصبين, بل ينصحنا بمراعاة حالتهم و رؤيتهم من وجهات نظر متعددة, منها التحريرية , بل و الثورية أيضاً.

يتلقف طيبي الخيط الألماني, و يعزوه إلى المدرسة العروبية المعاصرة اليوم. و يركّز على نبي العروبة الأول, ساطع الحصري, أول عروبيٍ بنى على المدرسة الألمانية. و يحاول طيبي في دراسته أن يراعي التتالي التاريخي للأحداث, فكأنما يقسم الفكر العروبي إلى حقبتين, حقبة تبدأ بدخول نابليون مصر و تنتهي بالانتداب الغربي على المشرق العربي, و حقبة ثانية تبدأ بالانتداب و هي في نهايتها اليوم, حيث الشرعية العروبية تتفكك.

الحقبة الأولى:

تتصف الحقبة الأولى بلونها الفرنسي الليبرالي, و هي التي شهدت الصدمة الثقافية مع الجيش الفرنسي العظيم في مصر عام 1798, و بدأت معها رحلة محمد علي باشا و مغامرته في عصرنة مصر و إسقاط الخلافة العثمانية و إدخاله الفكر الوطني إلى المشرق. و بتوقف آل علي باشا عن فعاليتهم و خروجهم الفعلي عن المشرق العثماني, بقي للدولة العثمانية من العرب سوريا و لبنان. فحاولت الدولة العثمانية عصرنة بيروقراطيتها و علمنة حكومتها أملاً منها في مواجهة الجيوش الحديثة التي تحيط بها. فدخلت ما عرف بعصر التنظيمات, و حقبة المتصرفية المشهورة, و محاولاتٍ لدسترة السلطنة و تمثيل الشعب(كمجلس المبعوثان مثلاً), و لا مركزية الدولة, و دخلت معها المطبعة, و الصحافة, و البعثات التبشيرية. لم تكن هذه الاجراءات خياراً, بل ضرورة كي تستمر الحكومات العثمانية و المصرية بتواجدها و مقاومة الغزو الخارجي, و تبين لاحقاً أنها ذاتها التي أدّت إلى انهيارها.

أخذ الفكر الوطني ينمو بالتدريج في مكونات الدولة العثمانية, و لم تستطع الحكومة السيطرة حتى على العنصر التركي بها, ناهيك عن غيرها من العناصر. فأخذت الوطنية العربية بالظهور خصيصاً بين مسيحيي الساحل اللبناني, الذين كانوا على مثاقفة مباشرة مع الغرب, سواءاً عن طريق التبشيريات أو عن طريق التجارة. و قد احتاج المسيحيون العرب لهذا النوع من الأيديولوجيا لكي تخلصهم من مرتبتهم “الذميّة”, خصيصاً باختبارهم القصير للحرية و المساواة الدينية على يد محمد علي باشا. و بدأ الفكر الوطني العروبي ينتشر بخجل في بداية الأمر بين المسلمين السوريين, لكن, و بمرور الوقت, غلبت الأعداد المسلمة الأعداد المسيحية في ريادة الفكر الوطني. كان من روّاد المفكرين السوريين-اللبنانيين الذين ذكرهم طيبي في كتابه بطرس البستاني, و آل يازجي, و عبد الحميد الزهراوي.

لم يحاول الوطنيون آنذاك أن ينفصلوا عن الدولة العثمانية بالرغم من تغزلهم بفرنسا و بريطانيا, بل اعتنقوا نوعاً من “العثمانوية” التي سادت على أنها الحل الأمثل بين مكونات الدولة العثمانية, حيث يكون الولاء للدولة العثمانية على أن تُعطى المناطق العربية السورية استقلالية ثقافية و لامركزية في إدارة السلطة, و هذا ما تم الاتفاق عليه حقاً مع حكومة الاتحاد و الترقي العثمانية ذات الميول الطورانية. و بتصاعد الاحتكاك بين المكونات العثمانية المختلفة, و الاحتكاك مع الغرب خلال الحرب العالمية الأولى, تبين أن الاتفاق مجرد كسبٍ للوقت, و تم إلغاؤه عندما حانت الفرصة المناسبة, و أعدِمَ الوطنيون السوريون في السادس من أيار بساحات دمشق و بيروت.

و بخيبة الوطنيين من العثمانيين, اتجهت أنظارهم بسذاجة إلى ثورة الشريف حسين القادمة من بيئة مغايرة لم تتأثر بالعثمانية حقاً—و هو فخ لم يقع به الوطنيون الأوائل أمثال عبد الحميد الزهراوي— مسقطين أماثيلهم عليه. ثورةٌ فشلت أيما فشل, و ما كان لها أن تبلغ المنال الذي أراده الوطنيون حتى و لو نجحت. كانت ثورة سوداء مليئة بالميلودراما و قصص الخيانة, و لا يفتخر بها الكثير من السوريون إلى اليوم, سوى لربما حادثة ميسلون, و التي كانت معركة سوريّة أكثر من كونها معركة عربية. و بدخول الانتداب الفرنسي إلى سوريا و لبنان, خابت آمال الوطنيين أيضاً بهذه الدول المحتلة, موعزة بانهاء الفكر الوطني الليبرالي, و بدء البحث عن بدائل أيديولوجية أخرى.

الحقبة الثانية:

بإعدام الوطنيين الأوائل, و سيطرة الاحتلال, احتاج الفكر الوطني إلى نزعة تحررية نضالية جديدة تقاوم الـ”غرباء” و تعطي الاعتبار لأهل البلد. من هذه الحاجة, نبغ فكر ساطع الحصري. ولد ساطع بيك لعائلة حلبية ذات منصب رفيع أيام السلطة العثمانية, و انتسب في شبابه لجمعية الاتحاد و الترقي, و كان طورانياً, ثم انقلب إلى القومية العربية. خلال دراسته في أوروبا, تأثر بالفكر الألماني و آلية مقاومته للاحتلال الفرنسي, و دمج تأثره هذا مع الفكر العروبي و حالته المعاصرة آنذاك. و كان هو الحلقة الانتقالية بين الوطنية الليبرالية الفرنسية و القومية الـ”عُصابية”(2) الألمانية. و إن كانت ترجمة Nationalism إلى العربية تتحمل ترجمتان متشابهتان بالمعنى, “وطنية”, و “قومية”, فلربما كان الفكر العروبي الذي بدأ مع الحصري هو تحول الفرق البسيط من الوطنية نحو القومية.

أكّد الحصري على أن أساس ما يوحد شعباً ما هو اللغة, و تخيل مجتمعاً عربياً واحداً من المحيط إلى الخليج, كالذي ترسمه خريطة البعث اليوم, مستلهماً وحدة عظمى لدول متشتتة من الوحدة الألمانية على يد بيسمارك. تغزل الحصري بكل ما هو ألماني, و تحسس من كل ما هو فرنسي. ناصر ألمانيا النازية و الفكر الفاشي, و اعتنق الفكر الاشتراكي الوطني تباعاً معتبراً إياه شرطاً للعروبة, و دعم تحالف العروبيين مع دول المحور, فهلّل لانقلاب رشيد عالي الكيلاني في العراق. و كان على تقارب مع جمعية العهد السرية التي نشطت خلال الحقبة العثمانية, و هي جمعية مؤلفة من الضباط العرب المؤهلين على يد مدربين ألمان, و الذين لعبوا دوراً معتبراً في تقوية القومية العربية في حقبة ما بعد انهيار الدولة العثمانية.

لا يظهر لنا تأثر ساطع بالألمان عن طريق السياسة و حسب, بل نراه في سايكولوجيته أيضاً. فعلى خطى “فيخته”, لم يرضَ الحصري بأي منصب سياسي أو مهني سوى في التعليم, و حرص دائماً على نشر و تعميم التعليم القومي البروباغندوي أينما ذهب. و أورث الحصري هذه السنّة إلى كبار العروبيين مثل ميشيل عفلق.

يستعرض طيبي رد الحصري على الحركات التي عاصرته من إسلاموية و قومية سورية و فرعونية و ماركسية و غيرها. و لا يخجل طيبي هنا من لفت النظر إلى رداءة الأدبيات المنشورة عن التعبئة و الفكر السياسي في العالم العربي, و يصفها بالـ”سوقية” أو “المبتذلة”, فليس بالضرورة أن تكون رداءة نقد الحصري للماركسية سببها جهل الحصري أو كسله, بل لأن المحتوى العربي الماركسي و مثله المفكرين الماركسيين العرب دوماً ما كانوا ينشرون ماركسية “سوقية” بسيطة لا تعبّر عن الماركسية. و هكذا بالنسبة لغيرها من التيارات, كالعلموية الزائفة للحزب القومي الاجتماعي السوري. يتهم طيبي الطبقة الوسطى المفكّرة بالكسل—و هو ما أوافقه عليه— و عدم تفانيها في العمل على بناء هوية سياسية قوية منفتحة أمام النقد, و اكتفائها بالسّوقي و المبسّط.

يقارن طيبي نظريات نشوء الأمم في العالم الثالث مع نظريات نشوء الأمم في العالم الأول. يرى أن الفكر القومي في العالم الثالث وُجِدَ ليكون أداة تحررية ضد الاستعمار, لا أداة للتنمية الوطنية المستدامة, و ضرب الأمثلة على ذلك. إن ذلك يعني أن الدولة القومية في العالم الثالث تعتمد أنطولوجياً على وجود عدو خارجي كالاستعمار, و لا تستطيع تعبئة الجهود المحلية دون هكذا تصور, فبدون هذا العدو الذي يجمع الشعب, يغدو ربط الأفراد ببعضهم ضمن المجتمع أمراً لا يتم تحقيقه إلا بالقوة و القسر. و ليس فكر ساطع الحصري إلا مثالاً على هذا, فكرٌ استمر إلى يومنا المعاصر.

لم يتكلم طيبي عن الفكر الوطني أو القومي و حسب, بل كان يمشي أيضاً على خط تطور الفكر الإسلامي الحداثي, الذي ولد ليساجل الفكر الوطني العلماني. فاستعرض الكاتب أعمال رفاعة الطهطاوي, فالأفغاني, فمحمد عبده و رشيد رضا. و رأى أن الفكر الوطني الأوروبي قد أثّر بهؤلاء سواءاً عرفوا أم لم يعرفوا, فانبهار الطهطاوي برحلته الأولى إلى باريس و انكبابه على الترجمة و التعليم و التوفيق بين ما تعلمه في الغرب و الإسلام بعد عودته يعطي صورة على تلك الرحلة الأولى بين الغرب و الشرق, و محاولة لتكييف الدين مع الوطنية. أما الأفغاني اعتبر أن “الأمة الإسلامية” هي “أمّة” بالمفهوم القومي للكلمة في تفنيده للقائلين بأن “المسلمين ليسوا قوماً”. و دافع الأفغاني عن كونية الخلافة الإسلامية و اعتبارها فوق كل المكونات الأخرى لطالما كانت كل هذه المكونات تبوء بالإسلام, بل إن الإسلام يتعالى عن كل الـ”قوميات” باعتباره لا يفرق بين عربي أو أعجمي إلا بالتقوى, و يمكن لمن توافرت به شروط القيادية و التُقى و الإسلام أن يكون خليفة دون النظر إلى عرقه أو إثنيته أو لغته. هذا الفكر دفع السلطان عبد الحميد الثاني باجتذاب الأفغاني للدفاع عن “كونية الخلافة العثمانية” و التسويق للعثمانوية, إلا أن هذا التحالف باء بالفشل لاحقاً. و انتقلت راية الأفغاني إلى محمد عبده فساجل الأخير المستشرقين و تبع معلّمه, و نقل تعاليمه إلى رشيد رضا, الذي كان سلفياً, و الذي يعتبر الأب الروحي للإسلام السياسي. و قد ظل الإسلام السياسي بعد انهيار الخلافة العثمانية محيّداً عن السياسة حتى بدء تفكك الدولة القومية الذي نشهده اليوم.

بدأت شرعية الدولة العروبية تتفكك بعد الصدمة التي سبّبتها نكسة حزيران في ال67, و اكتشفت شعوب المنطقة مدى غوغائية ساستها العروبيين. يثني طيبي على المفكر صادق جلال العظم الليبرالي الميول في قدحه شرارة النقد اللاذع, إلا أنه يعترف بعدم كفايته. و أخذ الصوت الإسلامي يتصاعد كبديل عن القومجية العروبية. يرى طيبي أن الإسلامية حالة ما قبل وطنية, و لا يمكن لها النجاح باعتبارها لا تؤمن بالنظام الوطني الذي تُبنى عليه جميع العلاقات الدولية السياسية و التجارية اليوم. يضرب مثلاً إنكار الشيخ القرضاوي للوطنية باعتبارها “حلولاً مستوردة” لا تتناغم مع طبيعة مجتمعاتنا. و ذكر الناصرية و البعثية الصدّامية و الأسدية مثالاً عن الشرعية العربية الغوغائية المنهارة التي لا تعمل إلا بالقسر و القوة. يضمّن طيبي استنكاره لكلا هاتين المدرستين, و توصيته بنظام وطني ديمقراطي ليبرالي فرنسي النزعة.

هكذا ينتهي كتاب طيبي, الذي طبع آخر مرة سنة 1997, تاركاً لنا مساحة ذهنية متشائمة لاستنباء المستقبل. لا بد أننا نرى اليوم تحالفاً للمدرستين “السيئتين” اللتين تحدث عنهما طيبي, تحالف الإسلامية العروبية, كداعش و النصرة و غيرها, التي ترى بأحقية الخلافة للعرب القرشيين الأقحاح, و هو بحد ذاته أمر غريب على الإسلام كدين, و غريب على الفكرة الوطنية العلمانية للعروبة. إن هذه المفرزات هي النتيجة المنطقية لما كان الطغاة العرب يسوقونه على أنه “التفكير التجديدي”, فسوّقوا مثلاً لاسم عبد الرحمن الكواكبي, الذي قال بأحقية الخلافة إلى العرب على حساب الأتراك. و حاولوا دمج الإسلام بالعروبة منذ ساطع الحصري حتى اليوم. ما نشهده في 2017 هو دمج لكل العناصر الزينوفوبية و العرقية و العنصرية و الانغلاقية و الرجعية و الميتافيزيقية الموجودة على الساحة(الإسلامجية و القومجية العروبية), إنها نصر للقومجيين الغوغائيين الذين رعوا نمو هذه الأفكار, إنها نصر للجهل, للكسل, للتقاعس عن تقديم البديل المناسب… إنها كارثة.

لا يزال الكثيرون على قناعة بأن البديل الوحيد الموجود عن البعث هو الدولة الإسلاموية. و من يكره البعث, يراه “جنّة” أمام نار الإسلاميين. و يتناسى معظم من يريد جواباً أن هناك خياراً ثالثاً لا يحد معضلتنا بين هاتين الثنائيتين المقيتتين, و هو الفكر الوطني الديمقراطي المنفتح على جميع المكونات, الصارم بتقبله للآخر, و الصارم أيضاً—و هذه إضافة شرقية مني—بعدم تقبله لمن لا يتقبل العقد الديمقراطي. إنه خيارٌ صعبٌ بما أنه الوحيد الذي يحتاجنا أن نختاره عن رغبة حرة و إرادة مستقلة و تنازلٍ عن النمط الموروث الذي تلقنّاه من الطغاة. إنه خيار يتعبنا, يخدشنا, و يؤلمنا, و علينا إن أردنا إثبات حريتنا أن نتألم من أجل بلوغه.

(1) Tibi, B. (1997). Arab nationalism: a critical enquiry(3rd ed.) . London: Palgrave MacMillan.

(2) عصابية: من “العصبية” الإبن خلدونية.

الصور الذهنية المؤدلجة في عقل الفرد السوري: نظرة معرفية

Untitled-1

وليد شاب سوري بلغ ال18 من العمر و لم يفعل شيئاً في حياته على الإطلاق سوى أنه ذهب إلى المدرسة, حضر دروسه, و عاد في كل يوم. سيكون مجموع الصور و الرسائل المؤدلجة المحشوة في رأسه يساوي 1368 ساعة تقريباً ببلوغه ال18 و تخرجه من الثانوية. هذا الرقم هو أكثر الأرقام محافظةً. الرسائل المؤدلجة هي كل شعار أو تلقين حزبي, أو صورة مرئية بروباغانداوية تمجد الهيمنة السلطوية لحزب البعث أو العائلة الأسدية. تتراوح هذه الرسائل من لمحات بسيطة عابرة على الطريق(و في الصف, المدرسة.. الخ) مدتها ثانية واحدة على الأقل, إلى اصطفافٍ مدرسي صباحي يستغرق 15-30 دقيقة, إلى حصة مادة القومية ذات الـ45 دقيقة. أخذنا بعين الاعتبار بعد القيام بالحسابات اللازمة أن 3.33 ساعة في الأسبوع تذهب على هذا النوع من الرسائل بالنسبة لوليد, فيما قد يصل الرقم حتى خمسة ساعات و نصف بأقصى حالاته(أي 2363 ساعة عند بلوغ ال18). مما يعني أن وليداً بعد ارتياده المدرسة لـ12 سنة, كان قد أمضى 10.4% من وقته المخصص للدراسة, وهو يتعرض للتلقين الأيديولوجي و يحفظ آلافاً من الصور و الشعارات العابرة في رأسه. إن إشغال عُشرَ الطاقة الذهنية التعليمية للأطفال و اليافعين بهذا الشكل يقيد النمو بشكل ملحوظ, فبدلاً من استثمار هذا الوقت بالتفكير النقدي و البنّاء و الرياضي, يتم تلقين أفكار جاهزة حشواً في بنية فكرية فضولية تحتاج لكل ما تقدر عليه من طاقة تفكيرية و تجربة مباشرة.

على طريق العودة إلى منزله, يرى وليد 10 رسائل مؤدلجة تقريباً, كثير منها على شكل إعلانات طرقية, و منها ما يكسو مبانٍ حكومية بشكل واضح. في كل مئة متر يمشيها, يرى وليد رسالة مؤدلجة واحدة. في المدن تتراوح المسافة بين 88 إلى 142 متراً لكل رسالة, و تغزر هذه المشاهدات عند الشوارع الرئيسية, فيما تندر في الأزّقة, مما يجعل الأحياء القديمة أقل تعرضاً لها نسبياً.

اتخذتُ مدينة حمص قبل الربيع العربي مثالاً لجنسية وليد, و ذلك لأنني أعرف بها باعتبارها مدينتي, و لأنها مدينة متوسطة الأهمية, و ينتمي أهلها إلى طبقة متوسطة و متعلمة نسبياً كما عائلة وليد. قد تختلف شدة الحشو الأيديولوجي من مدينة لأخرى, فلربما تكون حلب أهم للنظام من حمص, أو دمشق أهم من حلب. و اعتبرتُ أن وليداً لم يخرج من باب منزله قط سوى متجهاً إلى المدرسة, أي أن هذا الرقم لم يسبر سوى باحة واحدة من حياته, الباحة التعليمية, أي عُشر حياته الواعية تقريباً. في الحقيقة, حاول النظام حشو الرسائل المؤدلجة في كل مكان يقدر عليه و في جميع باحات الحياة اليومية, فلا يكاد المرء ينظر إلى مكان دون أن يجد إشارة ما تحاول تلقينه. بل إن هناك محاولات لربط مشاعر معينة كالمتعة مع صور آل الأسد, ففي ملعب كرة القدم مثلاً, أحد أهم المرافق الترويحية في المدينة, تتوسط مدرجات الجماهير صورة كبيرة للرئيس تكاد تُرى مع كل لفتة نظر. و لا يقتصر الأمر على المتعة, فالعقاب و الألم يحتمل تواجد صورة الأسد أيضاً, كما في الأفرع الأمنية المعروفة بصيتها السيء قبل أي نزاع داخلي في سوريا.

يدخل المرء البالغ مبنىً حكومياً سورياً و ذهنه مأخوذٌ بأربعة أشياء أرتّبها حسب أولويتها في الوعي: التعقيدات البيروقراطية, الرشوة, عمارة البناء البعثية الشيوعية القبيحة, و الرسائل المؤدلجة. البيروقراطية بذاتها نوع من أنواع التعذيب الغير جسدي, و العمارة “القاتلة” محسوبة مثلها. المساحة الفيزيائية المخصصة للبشر كانت و لا زالت عنصراً مهماً في التحكم بالحالة الذهنية و النفسية للأفراد.

هذا الاستنزاف الذهني و التهيئة النفسية المستمرة اتجاه المؤثرات المؤدلجة لا تسمح للمرء بالاستكانة و التفكير بشكل مستقل. و غالباً ما يصل المرء مع الوقت إلى حالة إرهاق ذهني تجعله يتجاهل المؤثرات و يتعامل معها على أنها عادية أو غير مهمة, فيما هي تعمل عملها في لاوعيه.

ليست الحكومة لوحدها ما يوّلد الأيديولوجيا. معظم مشاهدات السوريين في الشارع مقتصرة على مؤسستين و أيديولوجيتين, مؤسسات حكومية, و مؤسسات دينية. من شبه المعدوم تواجد مؤسسات مجتمع مدني أو نوادٍ ثقافية أو حتى مكتبات عامّة.و تُعَوِضُ المؤسسة الدينية عن هذا الفراغ بحضور كبير قد يغلب الحضور الحكومي. يبدو أن هناك نسبة مسجد واحد إلى كل ثلاثة أبنية حكومية تقريباً في كل من أحياء المدينة. كلاً من المؤسستين(دينية و حكومية) تشغران وظيفة مهمة مستقلة لوحدها, بالإضافة إلى تفاعلهما و تعاونهما على تنظيم الذهنية العامة و الشعور بالمتعة و الخوف, و الانفتاح و القمع. للمسجد في سوريا وظيفتان مجتمعيتان معترف بهما, التلقين الأخلاقي(الذي بات احتكاراً أخلاقياً في الآونة الأخيرة), و التحكم بمشاعر الترغيب و الترهيب. فإن شدّت الحكومة خيط الترهيب, أتى الجامع ليرخيه بالترغيب معطياً الناس مجالاً للتنفيس, و إن أرخت الحكومة خيط الترغيب, أتى الجامع لينتقد “الانحطاط الأخلاقي لشباب العصر” و يشد الخيط من جديد. و هناك وظيفة روحية واحدة متمازجة مع الأيديولوجيا الحكومية و هي الميتافيزيقيا, أي الإجابة على ال”لماذا” التي لم يجب عليه النظام في مناهجه التعليمية و بروباغاندته. نسبة الارتداد إلى الجوامع متوسطة إلى عالية نسبياً, فهي تعمل عمل نقطة تجمع إجتماعي, لا مركزاً روحياً فقط.

بالعودة إلى وليد, و على فرض أن وليد متعلم و متدين تديناً تاماً, فيكون قد استغرق في طقوسٍ دينية ما مدته 7480 ساعة من حياته, و إن جمعناها مع الأدلجة الحكومية في المدرسة, نحصل على 8823 ساعة(أي سنة كاملة مستمرة من حياته ذات ال18 عاماً) و هو يتعرض للتلقين الحكومي و الديني. أما إن كان متوسطاً دينياً(+متعلم) فيكون قد أمضى 4093 ساعة. و في حال ضعفه دينياً(+متعلم) فيكون قد أمضى 2200 ساعة.

لا يخفى أن هذه الأرقام خطيرة و متفجرة, فتعرض أحدهم لما مقداره سنة مستمرة من أي أدلجة كانت, قد يوديه إلى اضطرابات في ضبط حركة الصور الذهنية المؤدلجة, و ضعف التركيز, و مشاكل نفسية, و انقسامات هويوية, و فكر مُطلَقِي.

و قد حظي الجامع بمكانة عالية لأن التجمع علناً ممنوع في سوريا سوى في أماكن مُعلنة تعلّم السوريون عليها كما لو أنها جزء من الغريزة, كالملعب و الجامع و المرافق التعليمية فقط. يُذكر أن حتى هذه التجمعات كانت تزعج الحكومة بين الحين و الآخر, فأحداث ملعب قامشلو في 2004 و التظاهرات الخارجة من الجوامع و الجامعات في الربيع العربي دعت الحكومة السورية على القيام بحملات تطهير مسّت الحجر(الأبنية) و البشر. و دوماً ما كان هناك شعور بوجود تناقض بين طبيعة المجتمع الجمعية و طبيعية القوانين التي تقنن التجمع.

الطبيعة الجمعية للمجتمع السوري تهيمن على هوية الفرد بشكل مطلق, سواءاً كانت هوية علمانيةً أم دينية, مما يسهّل التحول نحو الإمّعية و تلاشي الشخصية الذاتية, أي تسهيل السلوك اللأخلاقي و الغير واعي المنقاد جمعياً. و لا يكمن حل هذه المشكلة في رأيي بالفردانية المطلقة, و إنما بتوازن بين الفردانية و الجمعية كخطوة أولى على الأقل. و لا يمكن لهذه أن تأتي دون وجود مؤسسات تعادل الثقل الجمعي, أي مؤسسات فردانية تستطيع توليد حس فرداني مستقل, أعني بهذا منظمات مجتمع مدني و نوادٍ ثقافية من التي غُيِّبَ عنها المجتمع السوري. إن طبيعة مجتمعنا الحالية تجعل من أي طغيانٍ للكفة الجمعية على الكفة الفردانية—و لربما العكس بالعكس—من الميزان اختلالاً كبيراً و أزمة هويوية توعد بالإنفجار, و هذا ما برهنت عليه الأزمة السورية اليوم. حتى الحاضر, لا توجد هوية سورية جمعية تعترف بمساحة فردانية و تساعد الفرد على بناء هويته المستقلة, بل صَمَّمَتْ كلها تاريخياً على أن تجعل الجمع فوق الفرد بالمطلق. و جميع الهويات الفردانية المتوافرة تتنكر تنكراً شبه تامٍ للإنتماءات الجمعية السورية, مما يجعلها ضعيفة الإقبال و عنينة التمثيل.

إن النموذج المعرفي لمعانٍ تجريدية كالـ”سلام” أو الـ”وطنية”, يعتمد تماماً على ما تعرّض له المرء من صور مؤدلجة و حشو معرفي. فقبل الربيع العربي, اعتمد السوريون لإدراك معنى كلمة “سلام” على وجود إسرائيل, و كلمة “وطنية” على وجود “حكومة”, و كلمة “أخلاق” على وجود الشيخ, و كلمة “نضال” على وجود السلاح. لم يستطع السوريون تعريف المعانِ هذه بتجريد, أي لم يستطيعوا إلا أن يدركوها بعد ضرب الأمثلة الحسية. بالطبع, حتى اختيارهم للمثال لم يكن لهم حرية به, فقد كان المثال مصمماً و جاهزاً لهم من قبل بشكل يتناسب مع الأيديولوجيا المهيمنة. و قد سُمح في بعض الأحيان لهذه الأمثلة بأن تكون ضبابية و غير مرئية و مفتوحة للتفسير, مثل المثال المذكور أعلاه “إسرائيل”, فلم يرَ السوريون إسرائيلياً قط, ولم يتكلموا أو يحتكوا أو يعرفوا لغته حتّى, و لا علم لهم بخواص المجتمع الإسرائيلي إلا مما يتلقوه من الإعلام الرسمي بالطبع.. فوظيفة هذا المثال—و ما شابهه بالضبابية—أن يكون محط إسقاط نفسي, بحيث يكمل المرء الفراغات الناقصة من تجربته الخاصة, و (يُبدع) و يختلق القصص و التحليلات و النتائج غير آبهٍ بالأمانة و المصداقية المعرفية. يقول الناقد الاجتماعي و الفيلسوف سلافوي جيجيك أن هذه المساحة المفتوحة للتفسير و الإسقاط هي من أهم ما تبني عليه الأيديولوجيا وجودها. و الفرق الأهم بين التعريف التجريدي و التعريف المحسوس, أن الأول يعتمد على الذات فقط دون الحاجة إلى وجود كيان خارجي تفسر المعنى نسبة إليه, فيما يقوم التعريف المحسوس—أي المثال—على شرط وجود كيان خارجي يجبرك أن تعتمد عليه لا على نفسك في التفسير و المقاربة. بالفعل, إن هذا الكيان الخارجي الذي علّق السوريون عليه معنى الأمور كلها كان مصدره النهائي في أغلب الأحيان تلكم الأيديولوجيتان: إما الحكومية, أو الدينية.

بلعبة بسيطة مع أصدقائي(أو أصدقاءكم إن أردتم) يمكننا أن نرى وقع مأساتنا الذهنية: أسألهم أن يقولوا لي أول كلمة أو صورة تخطر على بالهم مباشرة بعد تلفظي بكلمة ما, فمثلاً, أقول “تفاح” , يرد صديقي: “فواكهة” .. “كتاب” و الرد: “مكتبة”, سبورة: طبشورة.. الخ.. تمشي التجربة البسيطة هذه بما يشابه المحادثة التالية:

تفاحة: أحمر

كتاب: ورق

سيارة: دولاب

كرة: ملعب

أخضر: عشب

رصيف: شجرة

حديقة: زهرة

.

.

و بعد عدد من الربط الحر بهذا الشكل أسأل:

*حزب: البعث*

باص: مقعد

بسكويت: شاي

.

.

*سوريا: العلم السوري*

.

.

*وطن: كتاب القومية*

.

.

*رئيس: بشار الأسد*

.. الخ

أحياناً أصادف شيئاً مثل: خطر: سلاح.. سلاح: جيش. 100% من المرات يكون الرد اتجاه “حزب” بـ “البعث”, فيما تتغير الردود المهمة الأخرى دون أن تبتعد عن السمة المؤدلجة نفسها. لا تخرج هذه الأجوبة عن تفكير و و لا حاجة لاستدعائها, إنها موجودة للوصول المباشر و السهل في الوعي, فهذه الردود يتم نطقها في أقل من ثانية.

لدينا إذاً عقلية مقولبة بآلاف الصور و آلاف الساعات بهدف التدجين و سهولة التحكم, و إرادة فردية شبه معدومة على حساب إرادة المجموع, و دور “ذاتي” مهمش على حساب دور “الآخر”, سواءاً كان الآخر مجتمعاً أم ميتافيزيقيةً. و أيديولوجيا تملأ الذهن بصور معينة دون صور أخرى. يولد هذا عجزاً مكتسباً, أي عدم اكتراث بما يحصل مع المرء, فالقدر “مكتوب” مسبقاً, و شروط الوجود في الحاضر مفروضة بدون حول ولا قوة, و على المرء تقبل قدره كما هو و عدم المقاومة أو التذمر مهما كان مؤلماً. و حتى و إن نجح المرء في إنجاز شيء ما, إذ قاوم و استحق مكانة و قوة ترفعه أقرب إلى مرتبة الإنسان, فترى الأيديولوجيا أقوى منه حتى هنا, فيعزو إنجازه لا لنفسه, و إنما يزيحه إلى كيان خارجي. عندما دخلت الثورة السورية بحقبة انحطاطها, أي عندما بدأت تتحول نحو الأدعية و الأغاني الثورية بدلاً من الهتافات الموجهة, تم إعزاء كل ما نجح الثوار بتحقيقه إلى شيء مثل “رحمة الله و توفيقه” لا إلى الدافع الثوري لديهم, و انتقلنا تدريجياً من (1) دعوات الاكتفاء الثوري الذاتي “يا للعار يا للعار.. عالشب القاعد بالدار”, و التي أعطت معنىً جديداً للـ”عار” , بل و أعطت معنىً جديداً ل “شب” مضعّفةً من تجنيس الكلمة لتشمل الإناث أيضاً, (2) إلى إحالات خارجية “صمتكم يقتلنا .. غير الله ما إلنا”, و ” يا عالم شو عم تستنا.. جيبو الناتو وتعال عنا”, فقد أصبحت الثورة دعوة و استجداءاً للخارج و الغائب بدلاً من دعوة الذات, (3) ثم أخيراً إلى إعزاء و إحالة ميتافيزيقية بالكامل “و ما رميت إذا رميت و لكن الله رمى .. هي لله هي لله..”. هنا, لم يعد هناك أهمية لبراعة الرامي, أو شجاعة المتظاهر, أو إصرار المعتصم, أو تحدي المضربين, أو تعب الثوار. فَقَدَ الفرد اعتباره مرة أخرى, و أخصِيَ دوره و جهده. انسحبت الأطر الثورية الأولى بالجملة من بعد هذا التحول. شهدنا أمام أعيننا ولادة أيديولوجيا مستبدة من ثورتنا, أيديولوجيا أعادت تدوير ديكتاتورية البعث من جديد. كان من المفروض أن تكون الثورة نبذاً للمخططات الذهنية و التعريفات القديمة كلها, و أن نبدي المعنى لها من جديد, لا أن ننسخ المعنى منها و نستخدمه نفسهُ نفسهْ, لا أن نغيير كلمات الأغنية مع الحفاظ على لحنها, بل أن نغيرها كلها بألحانها و كلماتها. ما إن فقدنا قدرتنا على التحكم برموزنا, حتى فقدنا الثورة كلها. لم ينتصر وليد قط, بل انتصرت كل هذه الصور الموجودة في رأس وليد.

الثورة الدينية المضادة، حزب البعث، و العداء للكلمة و الحرية

sdfdf

كان حكم البعث دوماً نسخة نموذجية للسلطة القمعية البشرية الحديثة, فألّه الدولة, و أعطى القوة صفة المطلق, و أعطى الفرد الإنساني صفة اللاشيء, و الأهم, أتى بشرعيته من كيان غير موجود, من ميتافيزيقية جديدة ما بعد دينية. حين كان الله هو ما يشرّع السلطة في السابق, بات اليوم المشرّع هو شيء لا يقل ميتافيزيقية: “الشعب”, أو باللهجة البعثية “الجماهير الشعبية” و حتى “العروبة”.

بالطبع, فكل أولئك الذين لم يعجبوا ذوق البعثيين ليسوا محسوبين على “الجماهير الشعبية”, و ليسوا “شعباً”, و يحق للسلطة أن تسحب منهم كل حقوقهم المدنية و الإنسانية و تهينهم و تذلهم و تقتلهم و تنكل بهم و تعلق وجودهم بشكل كامل. و يمكن أيضاً للمرء أن يكون عربياً حتى لو كان كردياً أو تركمانياً أو آشورياً. أنه منطق الطغاة المعروف.

ما هي “الجماهير الشعبية” هذه إذاً؟ أحمق من يظن أن “الجماهير الشعبية” قد وجدت يوماً, إنها لا شيء, لا وجوداً موضوعياً لها, هي فكرة خيالية أساسية في غسيل دماغنا و امتصاصنا للأيديولوجيا البعثية, إنها كلمة تملأ الفراغ و حسب, و لم تكن الكلمة مهمة يوماً, و إنما الفراغ هو المهم. و أما “العروبة” فحدّث بلا حرج, و لا تستحق أن أزهق السطور في تفنيدها. إن “الجماهير الشعبية” و “العروبة” كانت دوماً ما يعطي الحزب قدرته و “مصداقيته” للوصول إلى الحقيقة, إلى الميتافيزيقيا, فهي التي تملي على الحزب المقدار المناسب من الحريات(أو اللاحريات في الحالة السورية), في خطابيات فحواها شيء من قبيل “الحرية عظيمة, لكن ليس عندما تهين الشعور القومي”, “الإسلام دين كامل, لكن ليس عندما يصبح أخوانياً إرهابياً” و ما شابه من الترهات المتناقضة التي لا معنى لها, و التي بكل لامعناها, كانت هي ما يحدد الحريات و السياسة البعثية.

إن شتم الحزب لم يكن يوماً خطراً على الحزب, بل يقال أن الأحزاب هذه تسمح عادة بحيز من الشتائم. ما كان يهين الحزب حقاً هو شتم مصدر شرعيته, و كل مصدر ميتافيزيقيٍ يعطيه وجوداً و يعلل وصوله إلى الحقيقة, و بشكل أقل كل فيلسوفٍ أو مساهمٍ فكريٍ ساهم في بناءه. لم يكن الله أحد المصادر الميتافيزيقية التي تعطي الحزب شرعيته, لذا كان بوسعك أن تشتم الله بصوت عالٍ في نصف شوارع دمشق دون أن تتحارش بك الحكومة أبداً. لكن, حاول أن تشتم الأب و الفيلسوف القائد للحزب “حافظ الأسد” بصوت خفيف في قرية ما و انظر ماذا سيحدث لك. لا تظن للحظة أنك ستُعَاقَبُ لأنك شتمت حافظاً الرئيس, أو حتى حافظاً الشخص, و إنما لأنه حافظ الفيلسوف, حافظ رمز الجماهير الشعبية, حافظ رمز العروبة. لن تعاقب بشتمك “الحكومة” لأنها الممثل السيادي للشعب, و إنما لأنها المطلق, إنها إله, إنها مصدر كلشيء.

الحكمة هنا أنك إن أردت أن تهين الحزب, فاشتم العروبة و استنقصها, و أهن “الشعب” و استحمقه, و كذا للجماهير الشعبية, و “الوحدة و الحرية و الاشتراكية”, و أنبياء الحزب, زكي الأرسوزي مثلاً. أشتم رموزه لا لأنها كلمات مشبعة و تريد أن تشفي غليلك, بل استنقاصاً من مصداقيتها الميتافيزيقية و إنكاراً لصلاحيتها و معانيها و أسباب وجودها.

ولدتْ الثورة السورية من رحم المعاناة مع هذا العبث و التراهة التي لا معنى لها. و كان من قَدَحَ الشرارة الأولى منها, أي الجيل الأول من شباب الربيع العربي, الجيل المدني التعددي—الساذج بتعدديته أحياناً— من قلائل المؤسسات التي تستطيع مس التراهة الميتافيزيقية للحزب على هذا المستوى من التجريد. فرفضت المؤسسة المدنية الثائرة في سوريا كل ما هو ميتافيزيقي, أي كل ما يعطي تبريراً ما ورائياً لممارسة السلطة, مدركة أن الميتافيزيقيا هي العنصر الأهم في الاستبداد و الطغو و التدجين. لم يرد هؤلاء الثوار الأوائل أن يبقوا عبيداً للخرافات الأيديولوجية و الإصطلاحات ذات الوقع الذي يغسل الدماغ, و كان تحررهم من الأيديولوجيا نصراً لهم, باتوا مذ يومها أحراراً حقاً, باتوا ثواراً و ليسوا مجرد معارضين. لكن, لم تكن جميع شرائح المعارضة مثلهم, بات أولئك الأولون شريحة من شرائح كثيرة مع تقدم الزمن, و بدا أن النظام البعثي متغلغل في كل تلفيفة من تلافيف المخ السوري, فلم يستطع الكثيرون التخلي عن تعلقهم بالميتافيزيقيا, لم يثوروا ضدها, و إنما طالبوا بتغيير كلمات “الجماهير الشعبية”  و “العروبة” فقط. و اختار الكثيرون أن ينتقلوا من حالة عبيد إلى حالة عبيد أخرى.

تم تهميش أولئك الذين بدأت الثورة بهم, و ما بقي منهم إلا الفتات, و صعد على أكتاف “مؤسساتهم” الكثير من “الوجوه”. و أصبحت في سوريا ميتافيزيقيتان أساسيتان, الدينية, و البعثية. و هيمنت الميتافيزيقية الدينية على الثورة, و حيّدت ثورية أبنائها  الحقيقية إلى “ثورية” ثانوية, إلى معارضة لا ثورة, إلى اعتمادية على أفكار بعيدة لا معنى منها, إلى وهم.

أخذت الميتافيزيقية الدينية تحاول أن تلحق بركب الميتافيزيقيا البعثية في البنية و النمو و قوة المصادر. و بدأت تسهر الليالي حرصاً على سلامة “الأمة”, و تقوم على أحوال “الرعية” , و تنافح عن صحة مصادرها المتصلة الموثقة بالـ”السلف الصالح” و غيرهم من التابعين و الصحابة و الأنبياء, و الذين هم بدورهم متصلون مع “الله”, مع المطلق.. المطلق هذا مرة أخرى.

بقي فتات المجتمع المدني الثائر موجوداً بضعف, يتحرك ببطئ, ناشطاً بلا عزم, و حُصِرَ دوره في المساهمة بالتوثيق و الإغاثة, بيد أنه لا يزال يحظى بشيء من الاحترام الثوري من الشرائح المجانبة له. و في خضم الصراع المؤلم بين الشرائح المعارِضَة, وجد “المدنيون” الأولون أنفسهم في مواجهة “المتدينين”, و على خجل و استحياء كان كل احتكاك و عراك بينهم يؤجل إلى “ما بعد النصر”, دون أن يدركوا أن سبب تأخر النصر موجود بينهم. كان المتدينون قد هيمنوا على قوة السلاح في الطرف المعارض, و بات كل تحارش سلوطي و استقوائي يُمَارَسُ من المتدينين حصراً, و جعلوا يمارسون الاستفزاز للمكونات الثورية الأخرى, و كأن وجودهم و قوتهم تعتمد على استضعاف الآخرين. صبر المدنيون, و بسذاجة التزموا بمبدأ تأجيل الخلافات لما بعد النصر—و خسروا الكثير من صفوفهم—إلّا أن بعضهم لم يستطع مقاومة ما في فمه من ماء, فأخذنا نرى بين الفينة و الأخرى تسربلات تلمّح للعداء الميتافيزيقي ضد المتدينين, و تساويهم مع الحزب البعثي.

في العدد 86 من مجلة طلعنا عالحرية الصادرة في 21 شباط 2017, و التي تنشر ورقياً في المناطق المحررة, تحديداً في الغوطة الشرقية, كتبَ الثائر شوكت غرز الدين مقالة يحتج فيها على البنية الميتافيزيقية العبثية لهذا العالم, و عبثية الألم الذي يعاني منه السوريون, و عرج إلى تعسف الدولة و الأبوية الإجتماعية و .. الله. أعِيدُ نشر ما كتبه في نهاية هذه المقالة.

كان هذا إهانة لكل الأطراف المسلحة في سوريا. فقُضّ مضجع “رعاة” الرعية, و الساهرون على حراسة “الأمّة”, و كلمة الله على الأرض. كيف لا, و قد تمت إهانة ميتافيزيقيتهم! فكانت ردة فعلهم مثل جوهرهم, بعثية تماماً. أخذوا يتباكون كعادتهم, فهم لا يصلحون لشيء كما يصلحون للتباكي, و أتبعوا تباكيهم بالعنف, أيضاً كعادتهم, فتم تكفير المجلة و القائمين عليها, وأخذوا يدعون إلى الإغارة على مقر المجلة. ثم توصلوا إلى إغلاق المقر, و التشهير بكتّابها و ملاحقتهم كما في العصور البائدة(حيث ألصِقَتْ منشورات و عليها صور الـ”مجرمين” القائمين على المجلة), بل و انتقلوا لإغلاق منظمة مدنية غيرها, كأنهم يجمعون زخمهم لحملة كاملة لإنهاء الفتات المدني. و أخذ “رعاة” الرعية يبررون عنجهيتهم, قال أحمقهم: ” الحرية شعار عظيم.. قال عمر متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا..وليس من الحرية أن يتدثر بها من يطعن بالمقدسات ويعتدي على عقيدةالآخرين”.

كأنما البعث نطق بهذه الكلمات!… بل الحرية أن تهين كلشيء, مقدسات و غير مقدسات. ثم و منذ متى باتت كلمات الناس اعتداءاً و بنادق العساكر زهوراً؟. حاولَ المجتمع المدني حل المشكلة بالتوسط, و تهدئة الأحوال, و مسايرة المتعنتين المتعصبين, الذين ما تنازلوا عن ذرة من بدائيتهم إلا عندما نظروا إلى المجتمع المدني الثائر بعين المنيّة و المكرمة, هؤلاء المدنيون الذين لولاهم لما كان هناك ثورة, و لما كان هناك مسلحون متدينون بموقع السلطة.

إن هؤلاء المتدينين يدورون بمنطقهم الدائري اللامتناهي الحماقة, “ليس من الحرية أن .. “, من أين لك أن تعرف ما هي حدود الحرية؟! آه بالطبع يعرفون! فلديهم وصول حصري إلى الميتافيزيقيا التي تدلهم على هذا. إنهم لا يدّعون فقط النطق باسم الله, بل باسم الحرية أيضاً. بالطبع يعرفون الحرية و يدركونها, إنهم يحملون السلاح, إنهم أحرار و قادرون على القمع و السطو و الخطف و اللجم و التعزير و الرجم و الحرق…

كانت الثورة حرباً ضد كل مظاهر العبودية, تحت أي إسم كان, و كان المحارب في هذه الخنادق يحظى بشرف التسمية “ثائر”, كان هذا قبل أن يضيع المعنى و يتشتت, قبل أن يكون هناك “وجوه” و قبل أن يكون هناك “دعاة” أو “رعاة”. بقي بعض “الثوار” اليوم, منهم القائمون على مجلة طلعنا عالحرية, منهم شوكت غرز الدين, فليرفعوا رؤوسهم, و ليشعروا بالفخر, فمنال الحرية صعب و لا يستحقه إلا من يريد تحمله, و طريق الثائر مليء بالحروب و الجروح و الطعنات في الظهر. و إن أردت أن تختبر العبيد, فاسألهم عن الحرية. و كما وصفتُ الإهانة المثلى للبعث, لعلنا الآن بحاجة لإهانةِ ميتافيزيقيةِ المتدينين.

  • المقالة المنشورة في مجلة طلعنا عالحرية المكتوبة بقلم شوكت غرز الدين.
  • photo_2017-03-08_19-06-51

الدين و الثورة

sdfdf

أمين نور
الحوار المتمدن-العدد: 5418 – 2017 / 1 / 31 – 00:47
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=546630

في سبيل البحث عن أسس لنظرية ثورية, تحاول تلمّس أعماق الثورة بشكل عام, السورية منها بشكل خاص, يأتي هذا المقال متمنياً أن يكون كدعوة أولى من أجل العمل على هذا المشروع, النظرية الثورية, الصادرة من أقلام ثوارنا و المكتوبة بناءاً على فهم سياقنا المحلّي, لا النظرية الثورية الموردة من الخارج, و التي تناسب سياقاتٍ تاريخية مختلفة, دون تجاهل فائدتها و مقارباتها. لا زلنا يافعين و مبتدئين و عاطفيين في النظرية, و لكن قد نملك ما يكفي من الحكمة لنعرف أننا في بداية طريق الألف ميل. و لا يخفى أن الدين موضوع أساسيٌ في هذا النقاش, الدين الذي ولد هنا في الشرق الأوسط, و الذي يفني نفسه في الشرق الأوسط. فآثار الدين على الثورة كانت كبيرة, و لربما غيرت وجه الثورة كله, مما جعل الدين و رواد الثورة الأولى على عداوة مباشرة, حيث وجد الأخيرون في الدين ما شوه ثورتهم.

للدين مدلول إجتماعي مهم, هو المساحة—الوحيدة ربما—المسموح بها للمرء أن يمارس تعصبه. هو أيضاً حيث يجد المرء مساحة مشروعة ليمارس طقسيته و مازوخيته و رغبته في رؤية ما لا يُمَس, رؤية المتعالي و المطلق و المتخيل.. رؤية المقدس. و عندما تقتصر القداسة و التعصب على الدين فقط, فعندها سيفقد الأفراد القدرة على الاستقطاب الثوري, و سيفشلون في التعصب لثورتهم و الحفاظ عليها, و سيفشلون أيضاً في استيعاب المجتمع المتعالي المتخيل الذي يتجاوز أنوفهم: المجتمع الوطني, أو حتى المجتمع الإنساني المطلق كله. و كذا بالنسبة للطقسية, فتراهم يفشلون أيضاً في بناء طقسية ثورية في أدائهم, تمكنهم من دعم عقيدة ثورية حقيقية, فكل هذه المساحات الذهنية, ملأها الدين و احتكرها بالكامل.

الدين هو شريعة ثابتة, حالة من الثبات و التوطيد و التوازن الاجتماعي في حالة معينة. الثورة في المقابل هي حالة التغيير و الإنقلاب, إنها انفجار للتوازن الاجتماعي المختل. هنا تعارض أساسي بالتعريف بين الحالتين, و إنْ تَقَدَّمَ هذا التعارض, فسيؤدي إلى ارتباك و حيرة في المعنى الأنطولوجي و السيمائي للثورة, و يضع كل من ناصر الثورة في أزمة أنطولوجية وجودية كبرى.

الدين حالة متعالية عن الواقع, فوق إنسانوية, مما يجعلها بعيدة عن الممارسات الواقعية. إنه إبيستيمولوجيا ميتافيزيقية إن أردت, مليء بالنبوءات و قصص الغيبيات, شيء عن نهاية العالم, و شيء عن العلامات الكبرى و الصغرى للقيامة.. و غيرها.. و إن معتنقي هذه القصص في أيام الحرب, سينبشون في ألفي سنة و نيف كي يؤكدوا ما هم منحازون لتأكيده في سردية شبه أسطورية و ميثولوجية و لاعلمية, ولينهكوا أنفسهم و يبددوا طاقتهم الفكرية في البحث عما هو غير مجدٍ, هذا إن كانوا ناشطين و لم يكتفوا بالدعاء فقط كوسيلة لإسقاط النظام, فاكتفاء بعض الناس بالدعاء فقط جرح لن ينساه الثوار و السوريون أبداً. ما هكذا تُفعل الثورات. إن هذه الابيستيمولوجيا الميتافيزيقية, أي التفسير الغيبي, الجبري القدري, الماورائي للأحداث الثورية يودي إلى كوارث عظيمة, هذه العقلية هي عدو أطغى من الأنظمة المتسلطة, إنها الاستبداد على العقل, السكين في الظهر, و دائماً ما ينبه الثوار الحقيقيون إلى أن الثورة هي ثورة على الذات أولاً, هي تغيير للعقلية كلها و استبدالها بعقلية أوعى. و اليوم نحن بحاجة إلى هذه الثورة قبل أي وقتٍ مضى, ثورة على الابيستيمولوجيا الميتافيزيقية بكل تفرعاتها الدينية و غير الدينية—الروحانية الجديدة— و أظن أن البديل واضح: الإبيستيمولوجيا العلمية, الثورة المبنية على المنهجية الحديثة و النقد العلمي.

إن كان الدين اليوم باعتراف دعاته, بحالة “حرب”, تارة يدافع و تارة يهاجم, بحالة غير مستقرة من تحديد للثوابت و المبادئ, بحالة صد داخلية و خارجية, و اقتتال داخلي و خارجي و انقسام و تشتت, فليدعونا إذاً نبني وطناً أكبر منهم, ليضمهم, و ليقتتلوا تحته حتى يفنوا بعضهم إن أرادوا, لكن ليس من العدالة أن يقتتلوا و هم في موقع السلطة علينا, وهم يعلمون أنهم متخبطون منقسمون, فيقودونا إلى الهاوية معهم. هذا الإنفراد الغير براغماتي في السلطة, يضعنا نحن السوريون في سلوك غبي جداً. لا زالت آلية التفكير السياسي البعثي سائدة, أنه إن انهارت السلطة, انهار كلشيء معها, لا يوجد خطة (ب), أو نقطة آمنة ما نستطيع العودة إليها. من الضروري, بل من الواجب, أن يبني الأفراد لأنفسهم هوية علمانية قوية متماسكة حقيقية و متوازنة طوعاً, تستطيع الصمود أمام تحديات العصر, و تؤمّن نقطة عودة نستطيع أن نلجأ إليها في حال انهارت كل المؤسسات السلطوية. و ثورة اليوم, في سياق الربيع العربي و غيرها, يجب أن تؤمن هذه النقطة و هذه الهوية, بل هي سبب الثورة و هدفها الأهم. بالطبع, من السذاجة القول “ليدعونا نبني وطناً” ثم انتظارهم ليفسحوا الطريق لحضراتنا. كما هم سرقوا ثورتنا بالقوة و نجحوا في هذا, فلا أجد خياراً واقعياً سوى استرداد الثورة و الحفاظ عليها بالقوة, و كان خطؤنا المشؤوم أن تساهلنا مع الشذوذات الثورية من باب مراعاة الديمقراطية و الليبرالية و العاطفة, حتى تهلهلت الثورة حد التلاشي.

و لعل المشكلة الأكبر بين الثورة و الدين, هو أن انهيار المؤسسة الدينية, التي تملأ وظيفة مصدر الأخلاقيات و السلوك و التحفيز, يوعز انهيار الأخلاق و السلوكيات و الخطاب التحفيزي و الثوري. و فعلاً, بالكاد اليوم السوريون مهتمون باسم أيام الجمعة الثورية, بالكاد تُحرك خطابات أصحاب الذقون أحاسيسنا و ثوريتنا.. و من بين كلشيء, بالكاد ما يقوم به السوريون أخلاقيٌ اليوم, سوءاً اتجاه أنفسهم, أم اتجاه الإنسانية جمعاء. المؤسسة الدينية هذه, حبيسة أخلاقيات قديمة لم تعد تستطيع مواكبة النظريات الأخلاقية الجديدة, و الخطاب الديني محدود المخيلة و الإبداعية, و هكذا, يكون ذات قدرة تعبوية محدودة جداً, و لا عجب أن السوريون يهربون من سوريا—و من كل الدول العربية صراحة—ليرموا أنفسهم في البحار عوضاً عن انتظار الدولة الموعودة, فقد فشل الخطاب الديني بتعبئة هؤلاء, في وقت كان معظهم قد هتف بإسقاط النظام و شارك في الثورة الحقيقية سابقاً و تحمل كل آلامها. لقد أودى الخطاب الديني و مؤسسته بخسارة الحاضنة الشعبية للثورة خسارة تراجيدية, و من يعي أهمية هذا الأمر, يعي أيضاً كم عليه أن يحمل على المؤسسة الدينية لفعلتها الشنيعة هذه. فوق كل هذا, يتضارب الخطاب الديني بشكل واضح مع الخطاب الوطني, و من غير المنطقي أن نتوقع أن الخطاب الديني سيؤدي إلى الدولة الوطنية, و من غير المنطقي أيضاً, بل من غير الإنساني, أن نقف مكتوفي الأيدي. إن من واجب الثورة التخلص من كل ما يحد خطاباتها و أخلاقياتها و إبداعيتها, و يثبط حاضنتها, و يخصي التفكير النقدي فيها. إن اعتناق الثورة لدين ما هو حالة غير أخلاقية. الدين احتكار لأخلاقيات معينة متجمدة منذ آلاف السنين, بينما الثورة هي شريعة أخلاقية جديدة بحد ذاتها.

لم يعد بالامكان تجاهل التفسخ الأخلاقي الذي يوفره لنا الدين, و الذي يعيق تقدم الثورات. للدين ميول شمولية لا يمكن التفلت منها, مما يعيقه من التوافق مع أي ثورة تهدف إلى التعددية, و يضع الثورة التي تعتنقه مذهباً في مأزق أخلاقي كبير. أضف إلى الميول الطبيعية لتفرق المذاهب الدينية, و اقتتالها بين بعضها, و تفسيرها للأحداث الثورية بشكل مقتصر على الرؤية الطائفية و الميتافيزيقية. كل هذا يجعل الدين نقطة ضعف, لا نقطة قوة في الثورات, و كل ما يوفره الدين من رابطة و عصبة و مركزية للجماعة الثورية, لدينا بدائل أحدث و أفضل له اليوم.

و تأتي الثورة لتصحيح كل المعوقات و الأخطاء القديمة, و إن كان المجتمع في حالة تهافت تام, حيث كل مكوناته تمارس ممارسات خاطئة, فالثورة عندها تأتي لاجتثاث كل ما هو قديم. و الدين ليس استثناءاً. لا يمكن بناء أسس ثورية على كل ما هو سابق و قديم, فكل ما هو قديم معرّض ليكون ملوثاً بأيديولوجيا الديكتاتور, بل إن كل ما هو قديم, قد ساهم بشكل من الأشكال في المحافظة على الحالة الدكتاتورية و ساعد على تأقلمها و توازنها و تدرب الدكتاتور على مقارعتها. الأسس الثورية يجب أن تكون جديدة كليّاً, مولودة من جديد, و إلا لن نصل إلى ما نصبوه من الثورات, ستكون ثوراتنا أنصاف ثورات حتى و لو نجحت إسمياً.

إن الدين حالة غير وطنية, أو بالأحرى, ما قبل وطنية, و لم تحابي الوطنية يوماً إلا عندما قُسِرَت بالقوة. حيث كان الدين في السابق هو الحالة التي توحّد الأفراد في مجتمع ما, و في سياق الإنسانوية, الأشمل و الأعمّ من أي دين, وُلِدَت الوطنية—من رحم ثورات عنيفة— كخطوة أولى لتوحيد الجماعات الإنسانية و الخروج من قوقعة الدين و تجاوزه. و لا بد لهذه الأفكار العمومية أن تتعارض مع منافسها “الدين” بشكل ما, الذي يصور معتنقيه بخصوصية اصطفائية عن باقي البشر, و يعزز الطبقية بوجود النخبة المتدينة. لا يمكن لثورة أن تكون وطنية و متدينة في ذات الوقت, لا يمكن لثورة أن تنادي بالمساواة و التدين بذات الوقت. من الصعب أن يكون هناك رجل دين في ثورة وطنية. هكذا يقول التاريخ. رجل الدين يفتخر بولائه لا لإحد سوى الله, لا للوطن, لا للثورة, لا للمجتمع, لا للإنسانية, لا للذات حتى. إنه نتاج آلاف السنين من التلاعب الفكري و غسيل الدماغ. هنا واجب على الثوري مجابهة هذا الفكر, مجابهة الآلاف من السنين المظلمة, مجابهة كل من لا يخلص للفكر الإنساني ثم للوطني.

في سوريا, ما يسبب الخلل و التخبط في الرأي الثوري, هو التصارع بين الدين السعودي الخليجي, و الدين الإيراني, و إن أردتم الدين الإسرائيلي اليهودي, ليعطي طفلاً مشوّهاً هجيناً من أقبح أيديولوجيات عصرنا, فرانكشتاين العصر, الميت الحي القبيح, و هو الأزمة السورية. كم هو مُنتَظَرٌ ذلك اليوم الذي ينهض به الشعب أمام هذه الأديان, و يعي أنها هي ما تسبب تأخير نصره و عظم كربته و كثرة دمائه المسفوكة, ليبزق في وجهها جميعاً, و ينتصر لثورته الحقيقية, السوريّة, الكونية, الوطنية, الخالية من كل التشويهات الأيديولوجية القديمة و الخارجية و الدخيلة.

أتساءل في النهاية, هل هناك فرق في أن يكون المرء مرتزقاً لبابا الفاتكيان مع تسمية مبهرجة قليلاً “صليبي”؟ أم مرتزقاً للشيخ البدين الأبطر ذاك في الكويت مع تسمية مبهرجة “جهادي”؟.. على أية حال, من الجيد أنهم لم يسموا بيادقهم “ثواراً”, فالثوار هم آخر ما قد يكونوه.

التخلص من العقبات الدينية واجب لعصرنا, عصر الثورات, أو ما أتمنى أن يسمى “عصر الثورات”, و ذلك في سياق التخلص من كل العقبات التي تواجه تقدم الإنسان, و ليس الدين إلا عاملاً يشل الثورة. إن آخر ما تحتاجه البنية الفوقية للثورة الحديثة هو الدين.

لا حاجة اليوم إلى كلمة الله على الأرض كي نقتنع بأهمية العدالة, أو بوجوب الكفاح من أجل مستحقاتنا, أو أهمية العمل الدفاعي, أو تنظيم العمل الهجومي, أو توجيه الخروج في وجه المستبد.. علينا تجاوز الدين بالثورة, و على الثورة تجاوز الدين بنا.

حلب: نهاية حقوق الإنسان

untitled-1

حلب: نهاية حقوق الإنسان

أمين نور
الحوار المتمدن-العدد: 5390 – 2017 / 1 / 2 – 01:08
المحور: حقوق الانسان

لا أود النوح و التباكي بعد استعراض قصة حلبية عما حصل مؤخراً. على ما يبدو أن هذه القصص لم تعد تجدي, ولا تأثير معتبراً لها, فإما الناس قد ملّت, أو/و رفعت عتبة لا مبالاتها. أهدف من رثائي هذا أن يكون مختلفاً عن التراجيديا الروائية لأدبيات سقوط المدن السورية المحاصرة, أود فيه أن أتكلم عما يؤلمني أكثر من كل الدماء المسفوكة في سوريا, بل أكثر من كل الرصاصات العابرة أزيزاً بين الأبرياء.

الإنسانية في حالة انهيار أخلاقي بحت. و إن كان نيتشه قد أعلن موت الإله في أوروبا منذ قرن و نيف, فاليوم يترتب علينا إعلان موت حقوق الإنسان في الشرق الأوسط.

كم هو من الصعب أن يعتنق المرء منظومة أخلاقية بدون نظامٍ قانوني يحميه, بل نظام يعاديه و يهاجمه لأي بادرة أخلاقية تصدر عنه. نظام يجرّم المنقذين الإغاثيين, و يلاحقهم, و يعذبهم, و يقتلهم. و بغض النظر عن السياسة, أظن, و آمل ألا أكون فرداً شاذاً غريباً بأخلاقه, أن اصطياد المدنيين و المنقذين الإغاثيين, و اقتناصهم كما تُقتنص الأرنبة و الغزلان, لهو انحدار أخلاقي كبير و عظيم, و مبررٌ موقفي عندما أكره الصيّاد الجائر ذاك, بل عندما أحاول أن أجعل من قضية كرهي له قيمة أخلاقية و إنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

حزينٌ أنا عندما أدرك أن الحقوق ليست بقوانين, و أن “حقوق الإنسان”, التي من المفترض أن تكون الأمر الوحيد العالمي الشامل Universal, ليست بعالمية وليست بشاملة. يا لها من فظاعة في سوء استخدامنا لكلمة “حقوق”. ما فائدة حقوق الإنسان إن لم تنجح في الاختبار؟ ما فائدتها إن كانت لا تُستخدم؟ .. هذه ليست صرختي فقط, بل صرخات الناس في سيريبرانكا و حلب و بيروت..

قد تكون حقوق الإنسان إحدى الآمال القليلة لمن يعيش تحت وطأة الأنظمة الطاغية المُشَرَعَنة. و لأحدٍ مثلي على الأقل, فإن الأمل أثبت أنه أكبر عدو للتحرر و استحقاق الحقوق. تأثيره المعيق يولّد الفكر الخيالي في إدراك العالم, كلمة “حقوق” نفسها تولّد تفاؤلاً مفرطاً ساذجاً في عقلية المقموعين, ليخدرهم عن الواقعية و البراغماتية العملية, ليظنون, في أسوء الأحول, أن هناك كياناً أو جسداً أو مؤسسةً ما فوقهم ستتدخل لحمايتهم. و على عكس كلمة “قانون” و التي تتضمن تصريحاً محمياً من قبل حكومة ما, فكلمة “حق” تدل على تصريحٍ محميٍ من قبل لا أحد, لا شيء. الفكرة المُبتَدَعةُ هذه هي مثالية إنسانية ميتافيزيقية ولدت و بقيت في مخيلة مفكري القرن الثامن عشر.

ما هو محزن في حقوق الإنسان, أنها من المفروض أن تكون بسيطة جداً, أساسية جداً, بدائية جداً, و مع ذلك, لا يمكننا تحقيقها. لماذا ننعتها بالقول عنها حقوق “الإنسان” إن لم تكن عالمية و شاملة؟ لماذا لا نناديها حقوق “الفرنسيين”؟ أو حقوق “السويديين” و حسب؟.. ألا يوفر هذا الكثير من العناء و الآمال الكاذبة و الحقائق الزائفة لأولئك المنقوعين إلى الأبد في النزاعات اللامتناهية؟ إن كانت الاستحالة الإجرائية هي ما تمنع حقوق الإنسان عن التحقق, فلماذا العناء بها بالمقام الأول؟ فالتأثير الجانبي لاعتناق عقيدة حقوق الإنسان يكلّف طاقة و دماءاً عظيمة قد لا يُقدَرُ عليها.

للأسف, و عبثياً كفاية, حقوق الإنسان تعتمد على الإنسان, على كائن متفلت غير مردوع عن أي شيء, كائنٍ يرتكب الإجرام الجماعي بين الفينة و الأخرى, أو كما هو سائد أكثر اليوم, كائن جاهل و غير مسؤول—و هو ما لا يقل إجراماً بالنسبة لي— و لا يوقفه أو يوجهه سوى أملنا الميتافيزيقي بامتلاكه نظاماً أخلاقياً ما, كائنٌ محكومٌ بعوامل أيديولوجية و بيئية لا تحصى كلها تتنافس لكي تتحكم بقراره و سلوكه.

دعني أضرب مثالاً أوضح فيه أزمة اليوم الأخلاقية:

كيف يمكنك أن تقنع جلّاداً ينوي إعدام سجينه البريء بـ “حق العيش” للأخير؟ .. حقوق الإنسان ليس من المفروض لها أن تكون موجهة لأنجيلينا جولي و أمثالها, بل إلى هذا الجلاّد تحديداً, صدق أو لا تصدق, حقوق الإنسان تعتمد على أفعال هذا الجلّاد!

لنوسع المثال قليلاً, خلال إعدام سجيننا البريء, يجتمع حشدٌ من مناصري حقوق الإنسان لمشاهدة العملية, و أغلب هؤلاء هم ممن يتمتع بالقوة الكافية للتدخل و الحيال دون وقوع الإعدام, و لكن عجباً! لا يتدخل أحد, و يستمرون بالمشاهدة مذهولين, بل أحياناً يصفقون للجلّاد تشجيعاً و تحفيزاً للمرح و التسلية. في هذه اللحظة, ما فائدة حقوق الإنسان؟ أولا تجعل موت السجين البريء أكثر ألماً بما تحمله من أملٍ فارغٍ زائفٍ معذب؟

لنجعل المثال معضلياً أكثر, دعنا نتخيل حشداً آخر يدخل المشهد, هذه المرة, القادمون الجدد يصيحون مستهجنين عمل الجلاد, و لسبب أو لآخر, لعلها القرابة العائلية مثلاً, هم يقفون على صف السجين البريء, و مندفعون لإنقاذه بحماسة و شراسة, هناك, يقفون بجاهزية تامة بانتظار إشارة واحدة من السجين لكي يتدخلوا و ينقذوه. و لكن, من المعروف عن هؤلاء معاداتهم لحقوق الإنسان و تشكيكهم بها, مما يجعلهم على تعاكس تام سلوكياً و مبدأياً مع الحشد الآخر “الإنساني”. سجيننا البريء يطلق على نفسه لقب “إنساني” و يرى نفسه مناصراً لمبادئ حقوق الإنسان, فيشيح بنظره عن الحشد الجاهز لإنقاذه و ينظر مستجدياً إلى الحشد الـ”إنساني” البليد الذي يشاركه مبادئه, دون أن يتدخل الأخيرون لإنقاذه قط. في هذه الحالة, من هم أصحاب الأخلاق؟ من هم أكثر إنسانية؟ الإنسانويين البليدين المغيبين؟ أم معادي الإنسانوية النشيطين المؤثرين؟ إن كان هناك قدرة للحكم بهم موضوعياً, ألن يكون الإنسانويون البليدون مذنبين كالجلاد؟ ما هو الاختيار المناسب لسجيننا؟ كيف له أن ينقذ نفسه؟

أظن أنه من السهل إبداء الأدوار لشخصيات القصة, فالجلاد هو بشار الأسد( و حلفائه), و الإنسانويون هم مجتمعات العالم الأول, و المعادون للإنسانية هم داعش و أخواتها, و واضح أن السجين هو الشعب السوري.

لم يعد يبدو أن الأخلاقيات العلمانية قادرة على تعبئة الجهد الإنساني في هذا العالم, ما يحصل هو أسوء كابوس لكل إنسانوي علماني حقيقي: العامل الوحيد القادر على التأثير بالعمل الإنساني و التحرري هو التعبئة الدينية المتطرفة. حقوق الإنسان اليوم تعتمد على أكثر الأطراف معاداة للإنسان, سواءاً كانت هذه الأطراف داعشاً أم بشارأسداً. حقوق الإنسان الموجودة لضمان حق المظلوم, محكومة و مقبوض عليها بيد الظالم.

الأطراف العلمانية و اليسارية اليوم بحالة إخصاء و إزاحة نفسية هي الأسوء. هم لا يشاركون بحراك حقيقي جماعي مؤسساتي يملأ الساحة الإغاثية أو السياسية أو أياً كان, و يعتزلون النشاط و العمل, و ثم يتذمرون لاحقاً بأخذ الأطراف المتطرفة لمساحات واسعة من الحراك. بل لضعفهم باتوا يدفعون بنبوئتهم ذاتية التحقيق, فبعدما يقررون عدم المشاركة في الحراك تراهم يقولون “أنظروا! قلنا لكم, ثورة إسلامية متطرفة مختبئة..”.

الفشل الأخلاقي الذي أتحدث عنه هو إنساني على نطاق كوني, أي أنه جماعي و يشمل كل الأفراد في المعمورة. لا أغض النظر عن القصص البطولية الفردية لبعض الأفراد الذين صدح صوتهم لنصرة الحقوق و لربما ماتوا من أجل إنقاذ الآخرين. على الصعيد الفردي, هناك العديد من الأمثلة الجيدة لأشخاص قاموا بواجب عظيم اتجاه الإنسان. لكن على الصعيد المؤسساتي, فإن حقوق الإنسان مهزلة تامة. و حتى على الصعيد الفردي, فإن الأفراد الإنسانويين لا يبدو أنهم يوازون الكفة أمام الأفراد المتعصبين العنصريين الزينوفوبيين.

سنّ الحقوق يعني “الفعل” لا “عدم الفعل”, أي الممارسة الإيجابية و الفعالية و النشاط, لا السلبية و التغييب و التقاعس. التهليل, الصلاة و الدعاء, الإعجاب الفيسبوكي, و الريتويت التويتري, ليس ممارسة إيجابية نشطة أبداً, إنها لعنات و مصائب تؤرق الناشطين حول العالم, إذ يظن الناس أنهم بالدعاء و الريتويت قد أبلغوا دَيْنَهُم و أقاموا واجبهم. لا حاجة لنا بالدعاء و اللايكات الفيسبوكية. ما نحتاجه عرائض شعبية و حكومية, ضغطاً دولياً تفرضه الشعوب, مظاهرات عارمة تطوف بها شوارع المدن في العالم, و دعماً لوجستياً, و تضامناً اجتماعياً, و شراكة فكرية.

تتشارك حقوق الإنسان بنفس المشكلة مع الأخلاق الكانطية, إنها ليست فعّالة إلا عندما يطبّقها الجميع, و هذا فقط واحدٌ من متطلباتها. و بالرغم من أنني أقول عن نفسي “كانطياً”—و يا لسوء حظي في هذه الأيام—فإني أجد نفسي اليوم في موقع ميسأنثروبي misanthropic و ضد كانطي كالذي استعرضته في المقال أعلاه. يوماً عن يوم, يتعزز الرأي فيَّ أن الأخلاق الكانطية و حقوق الإنسان غير قابلة للتطبيق, أتجه يوماً بعد يوم للقول أنها مضيعة للوقت, و أنها مجرد تغزل بمخيلتنا الطوباوية, و احتفاءٌ فارغ بما أطلقنا عليه لربما تحويراً”إنسانويتنا” المميزة عن باقي المخلوقات, في حين أننا على أرض الواقع, يمكننا أن نكون أكثر وحشية من أكثر الحيوانات توحشاً. حقوق الإنسان تعتمد على الإنسان, و هذه هي مشكلتها. هذا لا يعني أنني—أو أننا— يجب أن أقع في فخ الأخلاق الدينية أيضاً.

يدور في خلدي هذه الفترة سؤال ينتقد الأخلاقية الكانطية, التي ألهمت بقوة مبادئ حقوق الإنسان.. هل يمكننا أن نقوم بأعمالٍ أخلاقية إن كنا وحيدين على جزيرة؟ هل يحق لي أن أقتل الحيوانات للتسلية على الجزيرة؟ و أن أجلس فاتراً كسولاً في مغارتي رافضاً ملاحقة الابتكار و التعلم و التفكر من العالم؟

ألا تؤدي الوحدة و العزلة إلى فشلنا بتعميم القانون كونياً؟ هذا نقدي للأخلاق التي أعتنقها, الأخلاق الكانطية, و أي ممارسة “إنسانوية” تعميمية اليوم, فأنا أرى أن الحاجة هي إلى منظومة أخلاقية غير-عاقبية قابلة للتطبيق دون تعميم كوني.

لن ينجع السوريون حقاً إلا إن ابتكروا منظومة أخلاقية جديدة, ليست لهم فقط, بل للعالم بأسره, فلسفة أخلاقية جديدة تتعامل مع تحديات اليوم و تملأ ما غفلت عنه بصيرة الأخلاقيين السابقين, و تراعي الوحدة و العزلة لإنسان الألفية الثانية. قد تكون هذه أكبر خدمة تاريخية يقدمها السوريون للعالم. و الثائر الحقيقي هو من يأخذ على عاتقه هذا الهم الإنساني الكبير. نحن بحاجة إلى فلسفة أخلاقية مبتكرة لا تزاوج بين القرار الأخلاقي و الحقوق, أو القرار الأخلاقي و القانون, أو القرار الأخلاقي و المعنى السيمائي للأشياء, أو القرار الأخلاقي و الجائزة/العقاب, أو القرار الأخلاقي و الحاجة للآخر. الحقوق و القانون و المعنى مبتورون من عالم اليوم, عالمنا على الأقل, إما إجرائياً بعدم القدرة على بلوغ و تغطية الجميع, أو بنيوياً بكونها مغلوطة و استبدادية أساساً, و مثلها الاعتمادية الأخلاقية و الهويوية على “الآخر”. أما العقاب, فلم يعد ينفع, و رفعنا عتبة عدم مبالاتنا بالعواقب. لنتخلص من مذهب المتعة, لا بشكل رُهابي كما يفعل التطرف الديني, بل بشكل معتدل يمكّننا من رؤية العواقب خارج تحوير أيديولوجيا الجائزة و العقاب للعقلية الإنسانية. و إن بدأنا المشروع, التنويري إسمياً, فالطريق مضنٍ و طويل, و يعج بعدمية يجب علينا التعلم عليها, بل سيكون أشبه بتنويرٍ ظلامي.

الاختناق

 

thumb_rjs_art_iafa_man_choking

الاختناق

أمين نور
الحوار المتمدن-العدد: 5388 – 2016 / 12 / 31 – 11:16
المحور: الادب والفن

    للحياة لمسة على المرء كما القطرة الشائبة تعكر صفو ماءٍ صافٍ, فيغدو الماء عكراً بأجمل مشاهد الفوضى. لا شيء يتراءى من الماء أصلاً, ولا شيء يقبل الاستيعاب سوى منظر التعكر الآسر ذاك, تعكر أسود خلاب حد التغزل بالسواد. هنا يمتطي الحكيم جواد أفكاره و يسبر أغوار عقله, ما ذا الذي أرى؟! ما ذا الذي أؤمن؟ ما ذا الذي لا أؤمن؟

    لا قدر ولا قضاء هنا سوى لشر مستطير يتبدى أنه سرمدي الكينونة. شر نسبوي غالباً, مطلقٌ على الأقل, على أمل أن يكون مطلقاً, فلا شيء يواسي عبثية هذا العالم سوى الإطلاق. و ما زالت السذاجة تنصحني بمعاداة الشر, و لا زالت الصفاقة تنصحني بالمحاباة.

    الألم, و أسوء, التخدر عن الألم, مات الطفل لأول مرة, فبكيت, مات الطفل لآخر مرة, فصمتُّ, و بقيت صامتاً مذ يومها. آلامي لا يفجرها سوى أثقل الألحان تجرعاً, باتت آلامي أكثر من الأطراف المبتورة للأطفال اليائسين, بل أكثر من كل الشظايا المتناثرة في الهواء الشرق-أوسطي. أعيش في بعد خامس خاصٍ بي, إسمه ما بعد الألم.

    الدروب كلها دروب آلام, حذائي لي, و الأرض لي, و الرصيف لي, و التراب العالق بين الآجر لي, للأسفل, فقط للأسفل, هنا كنوز البصر, مالي و ما للعلياء من نظر؟ تقيٌ أنا أكثر من التقاة في غض البصر.. على من أنظر؟ على كائنات مثل المنارات الماشية و هي تشع بكل ما أمقت و أكره؟ على شبابٍ ضائعٍ هائمٍ متفسخ منحدر فاسد مدمر, ما علي أن أسمع؟ عن همومهم التاريخية المضنية, هموم شباب المستقبل؟

    الكلمات الحقيقية كلها صرخات مختنقة عالقة عند الحلق, فتُبكم المرء حتى أجل غير مسمى, ولا يبقى سوى الكلمات الافتراضية الظاهرية و الأحرف الابتدائية و بصمات النبرة التعجبية و الاستفهامية و الاستنكارية.

    هنا أرض محكوم عليها باللعنة, أرض ملعونة و كل ما ينبثق منها ملعون, كل جملة تقال في أثيرها لهي لعنات… يتغنون بهذه اللعنات الشبحية, يجعلون منها أشعاراً شجية, ما الشعر و الأدب سوى اللغة التي تتكلم بها اللعنات, لتخرج كل التزلفات و الابتذالات إذاً, “باقون! ما بقي الزعتر و الزيتون!”.. نعم, زعتر و زيتون ملعون. و لما هذا التمييز ضد أهل الصحراء ممن لا زعتر ولا زيتون لهم؟

    “راجعين”, إلى أين؟ إلى وطنٍ غير مسمى بالكاد يتفق إثنان على رايته؟ إلى مجموعة حجارة؟ إلى أبٍ لا يقدر أن يحمي عائلته؟ إلى جيش لا يقدر أن يحمي أبناء بلده؟ إلى أرضٍ بلا بطل؟ إلى بطل مصطنع تعرف أنه ليس ببطل؟ إلى أصوات حمقاء يائسة تهتف للبطل المصطنع؟.. إلى ما تريد؟ أم إلى ما يراد لك؟

    و لعنتي المفضلة “أمة عربية واحدة.. ذات رسالة خالدة..” , عقداً و نيفاً كنت أردد هذه اللعنة دون أن أدري أنها لعنة كبرى, لعنة دبقة, ما الخالد برسالة تلك الأمة؟ ما رسالة تلك الأمة أصلاً؟ هذه لوحدها استحقت ثورة.

    ليقف الزمن قليلاً عند هذا الوادي, عند شتاءٍ أبيضٍ يقاطعه السواد بين الفينة و الأخرى, هذا عملي, أنا أوقف الزمن, أجعله مستمراً, خالداً, متبعثراً في الأصقاع, ليراه كل ما يَرى. آلام أحدهم, أكثر من الخيم البيضاء اللامتناهية هذه, تتصاعد قممها المثلثية مع تحدب القمم على اليمين و اليسار, و يبدو الأفق مستديراً محززاً. مدينة! مدينة من الخيم ما قبل الضباب, كل خيمة فيها من البؤس مافيها من الصقيع. هيا لنبتذل قليلاً “صامدون!” , “إرادة الأمل تبقينا..!”. الأمل هذا, عدوي اللدود, عدو كل ثائر حقيقي, إن كانت الحماقة جناية, فالتأمل جريمة. إن الأمل لا يولد سوى من الأبواق المتلصصة المبتورة الكفاءة, فيرى البوق أن ما من مساهمة يساهم بها سوى التبذّل عن الأمل. ما أعظم من يبقون على قضاياهم بدون أمل.

    “أين أنتم يا عرب؟!” .. عندما يستنجد من أخصِيَت خصيتَه بمن أخصيت خصيتاه. بقايا خصى, تصبح حصى, تهوي عصى, على من عصى, حتى المسا, شهد شدى, شيء بدا, سهمٌ عدى, فاق الخطى, حتى ردى, أين الضنا؟ أين الضنا؟! قصفٌ قَصَفْ, هبدٌ هبد, شدٌ شهد, ضربٌ ضرب, شعبٌ وثَب, قاباً و قَب, نصرٌ ذهب, جيلاً كسد, سادَ و سدْ, شراً صمد, شرٌ كسب, جلجل جلل, زلجل زجل, ذل و ذل, قل المثل, كثر الهزل.

    لنبني ابتذالاً: “هذه الأنفاس لي”, لنتجاهل الوهلة التي أبدو بها كرأسماليٍ جشعٍ و أنا أستملك الأشياء.. “هذه الأنفاس لي”, لهذا أحترم الاختناق, أو ما بات حقاً بالاختناق, ذلك التمسك بكل ما يحاول الهروب مني, بكل ما هو لي و يحق لي الاحتفاظ به. هيا إذاً, لنختنق جميعاً.

    هنا عصر اللامعنى, إهدار المعنى, تبذير المعنى, تشتت المعنى, المعنى مرفوض, بل مرفوعٌ على أس الرفض. كل هذا الكلام المعقود في الأعلى, بالكاد يمكن استخلاص حكمتين أو ثلاث منه, لكنه مع ذلك, يبدو ذا منظرٍ و قد يملك قيمة جمالية. لماذا؟ تماماً لأنني يمكن أن أصنع أي شيء من اللامعنى.

    نهاية الاختناق.