بسام طيبي و نقده للقومية العربية

436x328_2495_190705

لا بد أن بسام طيبي أحد أكثر النقاد المظلومين في عالمنا الناطق بالعربية اليوم, و يعود ذلك لدرجة ما إلى ما ينتقد عليه دائماً, أنه نادراً ما كتب بالعربية, هذا إن كتب بها أبداً. و لعلها الArabiblophobia “الخوف من المكتبة العربية”, التي تصدم عدداً المفكرين و القارئين بالعربية على حد سواء, فلم يرق محتوى المكتبة العربية السياسية الحديثة أبداً إلى أكثر من البروباغاندا أو الغوغائية و التفسيرات المبتذلة أو ما فُلتِرَ بشكل ثقيل عبر الرقابة الحكومية, مما يشجّع على تصدير الرأسمال الفكري الناطق بالعربية إلى لغة أخرى. و لربما هو غرور طيبي نفسه. على أية حال, لسنا هنا للحديث عن حالة بسام طيبي, بل عن فكره و مساهمته المتجسدة في كتابه المكتوب بالإنكليزية Arab Nationalism: A Critical Enquiry(1) “القومية العربية: مساءلة نقدية”

ولد بسام طيبي في دمشق 1944, و هاجر إلى ألمانيا الغربية سنة 1962 ليحصل على الجنسية في 1976, و تخرج في مجال العلوم السياسية و العلاقات الدولية من جامعتي هامبورغ و غوته في فرانكفورت تحت اشراف ماكس هوركهايمر و أدورنو رواد مدرسة فرانكفورت النقدية. و بنيله الدكتوراه بدأ يعمل في الأكاديميا, فحاضر في جامعات غوتينغن و هارفرد و كورنل و برينستون و بيركلي و ييل و الأمريكية في القاهرة و غيرها من الجامعات المرموقة. تركزت دراسته على الجاليات المهاجرة في الغرب و اندماجها, المسلمة منها خصيصاً, متتبعاً رحلة عدم الاندماج حتى تشكل “المجتمعات الموازية”, و قارن معها آراءه في التطرف(الإسلامي و الأوروبي على حد سواء). و صاغ اصطلاحات مثل “الإسلام الأوروبي” و “Leitkultur الثقافة المهيمنة/القائدة” محرّكاً نقاشاً فكرياً واسعاً في أوروبا لا زلنا نسمع أصداءه حتى اليوم. يزاوج في فكره بين ماركسيته—التي اعتنقها عقداً من الزمن قبل أن يتركها—و أرستقراطيته الشامية الملبرَنة, و تأثره بالفلسفة الأوروبية العلمانية, الألمانية تحديداً بحكم دراسته, مع أصوله الشامية السنّية المسلمة و الفلسفة الإسلامية. يعتبر لسانه لاذعاً في نقده للإسلاميين و أبناء بلده و ثقافتهم الدينية و السياسية, و تبين ذلك في الفترة الأخيرة ببعض “الشطحات” و التدقيقات اتجاه اللاجئين الحديثي العهد في أوروبا. بالرغم من هذا, لسنا بصدد آرائه الشخصية, بل نستعرض كتابه المهم عن القومية العربية المذكور أعلاه.

كان مشروع طيبي وراء هذا الكتاب, أن يتتبع الأصل الأيديولوجي الأوروبي الأول للفكر الوطني القومي العروبي, و ذلك باعتبار أن الوطنية مفهوم ولد في أوروبا و تم توريده إلى العالم العربي, و هو ما استغله الإسلاميون لاحقاً في نقدهم للدولة الوطنية. بدأ الفكر الوطني أو القومي بالظهور في بداية الأمر بأوروبا بعد الثورة الفرنسية في نهايات القرن الثامن عشر, و اتصفت المدرسة الوطنية الفرنسية بالليبرالية و احترام حقوق الفرد و العقلانية و حرية الاختيار, و لمع في بلورة هذه الأفكار الفيلسوف الفرنسي رينان. و بتوسع الثورة الفرنسية جغرافياً و عسكرياً, بدأت الحركات المضادة تنمو ضد الاحتلال الفرنسي, فكانت المدرسة المضادة, المدرسة القومية الألمانية, و هي مدرسة رومانسية تقوم على الاعتزاز بثقافة و شعب و أرض مسقط الرأس مهما كان هذا المسقط, و التسليم الميتافيزيقي بوجود قيمة و انتماء مقدس غير قائمٍ على الإرادة الحرة مع هذه العوامل البيئية الموروثة, في رابطة عمادها (المجتمع) لا الفرد أو الإرادة الفردية. و بالرغم من وضوح الرائحة الفاشية و النازية من المدرسة الألمانية, إلا أن طيبي ينصحنا بعدم التسرع بهذا الحكم, و يلفت نظرنا إلى طبيعة المؤثرات التي أدت إلى ولادة هذه الأيديولوجيا, و هي جهوزية المجتمع لهذا النوع من الحث الأيديولوجي, و الحاجة إلى أيديولوجيا قوية تستطيع مقاومة الاحتلال الفرنسي المدعوم بأيديولوجيا قوية و هي الكوزموبوليتالية الليبرالية. لمعت عدة أسماء في المدرسة الألمانية, مثل فيخته و هيردر, إلا أن طيبي, كما ذكرت, لا يعتبر فيخته و هيردر و أمثالهم “فاشيين” أو متعصبين, بل ينصحنا بمراعاة حالتهم و رؤيتهم من وجهات نظر متعددة, منها التحريرية , بل و الثورية أيضاً.

يتلقف طيبي الخيط الألماني, و يعزوه إلى المدرسة العروبية المعاصرة اليوم. و يركّز على نبي العروبة الأول, ساطع الحصري, أول عروبيٍ بنى على المدرسة الألمانية. و يحاول طيبي في دراسته أن يراعي التتالي التاريخي للأحداث, فكأنما يقسم الفكر العروبي إلى حقبتين, حقبة تبدأ بدخول نابليون مصر و تنتهي بالانتداب الغربي على المشرق العربي, و حقبة ثانية تبدأ بالانتداب و هي في نهايتها اليوم, حيث الشرعية العروبية تتفكك.

الحقبة الأولى:

تتصف الحقبة الأولى بلونها الفرنسي الليبرالي, و هي التي شهدت الصدمة الثقافية مع الجيش الفرنسي العظيم في مصر عام 1798, و بدأت معها رحلة محمد علي باشا و مغامرته في عصرنة مصر و إسقاط الخلافة العثمانية و إدخاله الفكر الوطني إلى المشرق. و بتوقف آل علي باشا عن فعاليتهم و خروجهم الفعلي عن المشرق العثماني, بقي للدولة العثمانية من العرب سوريا و لبنان. فحاولت الدولة العثمانية عصرنة بيروقراطيتها و علمنة حكومتها أملاً منها في مواجهة الجيوش الحديثة التي تحيط بها. فدخلت ما عرف بعصر التنظيمات, و حقبة المتصرفية المشهورة, و محاولاتٍ لدسترة السلطنة و تمثيل الشعب(كمجلس المبعوثان مثلاً), و لا مركزية الدولة, و دخلت معها المطبعة, و الصحافة, و البعثات التبشيرية. لم تكن هذه الاجراءات خياراً, بل ضرورة كي تستمر الحكومات العثمانية و المصرية بتواجدها و مقاومة الغزو الخارجي, و تبين لاحقاً أنها ذاتها التي أدّت إلى انهيارها.

أخذ الفكر الوطني ينمو بالتدريج في مكونات الدولة العثمانية, و لم تستطع الحكومة السيطرة حتى على العنصر التركي بها, ناهيك عن غيرها من العناصر. فأخذت الوطنية العربية بالظهور خصيصاً بين مسيحيي الساحل اللبناني, الذين كانوا على مثاقفة مباشرة مع الغرب, سواءاً عن طريق التبشيريات أو عن طريق التجارة. و قد احتاج المسيحيون العرب لهذا النوع من الأيديولوجيا لكي تخلصهم من مرتبتهم “الذميّة”, خصيصاً باختبارهم القصير للحرية و المساواة الدينية على يد محمد علي باشا. و بدأ الفكر الوطني العروبي ينتشر بخجل في بداية الأمر بين المسلمين السوريين, لكن, و بمرور الوقت, غلبت الأعداد المسلمة الأعداد المسيحية في ريادة الفكر الوطني. كان من روّاد المفكرين السوريين-اللبنانيين الذين ذكرهم طيبي في كتابه بطرس البستاني, و آل يازجي, و عبد الحميد الزهراوي.

لم يحاول الوطنيون آنذاك أن ينفصلوا عن الدولة العثمانية بالرغم من تغزلهم بفرنسا و بريطانيا, بل اعتنقوا نوعاً من “العثمانوية” التي سادت على أنها الحل الأمثل بين مكونات الدولة العثمانية, حيث يكون الولاء للدولة العثمانية على أن تُعطى المناطق العربية السورية استقلالية ثقافية و لامركزية في إدارة السلطة, و هذا ما تم الاتفاق عليه حقاً مع حكومة الاتحاد و الترقي العثمانية ذات الميول الطورانية. و بتصاعد الاحتكاك بين المكونات العثمانية المختلفة, و الاحتكاك مع الغرب خلال الحرب العالمية الأولى, تبين أن الاتفاق مجرد كسبٍ للوقت, و تم إلغاؤه عندما حانت الفرصة المناسبة, و أعدِمَ الوطنيون السوريون في السادس من أيار بساحات دمشق و بيروت.

و بخيبة الوطنيين من العثمانيين, اتجهت أنظارهم بسذاجة إلى ثورة الشريف حسين القادمة من بيئة مغايرة لم تتأثر بالعثمانية حقاً—و هو فخ لم يقع به الوطنيون الأوائل أمثال عبد الحميد الزهراوي— مسقطين أماثيلهم عليه. ثورةٌ فشلت أيما فشل, و ما كان لها أن تبلغ المنال الذي أراده الوطنيون حتى و لو نجحت. كانت ثورة سوداء مليئة بالميلودراما و قصص الخيانة, و لا يفتخر بها الكثير من السوريون إلى اليوم, سوى لربما حادثة ميسلون, و التي كانت معركة سوريّة أكثر من كونها معركة عربية. و بدخول الانتداب الفرنسي إلى سوريا و لبنان, خابت آمال الوطنيين أيضاً بهذه الدول المحتلة, موعزة بانهاء الفكر الوطني الليبرالي, و بدء البحث عن بدائل أيديولوجية أخرى.

الحقبة الثانية:

بإعدام الوطنيين الأوائل, و سيطرة الاحتلال, احتاج الفكر الوطني إلى نزعة تحررية نضالية جديدة تقاوم الـ”غرباء” و تعطي الاعتبار لأهل البلد. من هذه الحاجة, نبغ فكر ساطع الحصري. ولد ساطع بيك لعائلة حلبية ذات منصب رفيع أيام السلطة العثمانية, و انتسب في شبابه لجمعية الاتحاد و الترقي, و كان طورانياً, ثم انقلب إلى القومية العربية. خلال دراسته في أوروبا, تأثر بالفكر الألماني و آلية مقاومته للاحتلال الفرنسي, و دمج تأثره هذا مع الفكر العروبي و حالته المعاصرة آنذاك. و كان هو الحلقة الانتقالية بين الوطنية الليبرالية الفرنسية و القومية الـ”عُصابية”(2) الألمانية. و إن كانت ترجمة Nationalism إلى العربية تتحمل ترجمتان متشابهتان بالمعنى, “وطنية”, و “قومية”, فلربما كان الفكر العروبي الذي بدأ مع الحصري هو تحول الفرق البسيط من الوطنية نحو القومية.

أكّد الحصري على أن أساس ما يوحد شعباً ما هو اللغة, و تخيل مجتمعاً عربياً واحداً من المحيط إلى الخليج, كالذي ترسمه خريطة البعث اليوم, مستلهماً وحدة عظمى لدول متشتتة من الوحدة الألمانية على يد بيسمارك. تغزل الحصري بكل ما هو ألماني, و تحسس من كل ما هو فرنسي. ناصر ألمانيا النازية و الفكر الفاشي, و اعتنق الفكر الاشتراكي الوطني تباعاً معتبراً إياه شرطاً للعروبة, و دعم تحالف العروبيين مع دول المحور, فهلّل لانقلاب رشيد عالي الكيلاني في العراق. و كان على تقارب مع جمعية العهد السرية التي نشطت خلال الحقبة العثمانية, و هي جمعية مؤلفة من الضباط العرب المؤهلين على يد مدربين ألمان, و الذين لعبوا دوراً معتبراً في تقوية القومية العربية في حقبة ما بعد انهيار الدولة العثمانية.

لا يظهر لنا تأثر ساطع بالألمان عن طريق السياسة و حسب, بل نراه في سايكولوجيته أيضاً. فعلى خطى “فيخته”, لم يرضَ الحصري بأي منصب سياسي أو مهني سوى في التعليم, و حرص دائماً على نشر و تعميم التعليم القومي البروباغندوي أينما ذهب. و أورث الحصري هذه السنّة إلى كبار العروبيين مثل ميشيل عفلق.

يستعرض طيبي رد الحصري على الحركات التي عاصرته من إسلاموية و قومية سورية و فرعونية و ماركسية و غيرها. و لا يخجل طيبي هنا من لفت النظر إلى رداءة الأدبيات المنشورة عن التعبئة و الفكر السياسي في العالم العربي, و يصفها بالـ”سوقية” أو “المبتذلة”, فليس بالضرورة أن تكون رداءة نقد الحصري للماركسية سببها جهل الحصري أو كسله, بل لأن المحتوى العربي الماركسي و مثله المفكرين الماركسيين العرب دوماً ما كانوا ينشرون ماركسية “سوقية” بسيطة لا تعبّر عن الماركسية. و هكذا بالنسبة لغيرها من التيارات, كالعلموية الزائفة للحزب القومي الاجتماعي السوري. يتهم طيبي الطبقة الوسطى المفكّرة بالكسل—و هو ما أوافقه عليه— و عدم تفانيها في العمل على بناء هوية سياسية قوية منفتحة أمام النقد, و اكتفائها بالسّوقي و المبسّط.

يقارن طيبي نظريات نشوء الأمم في العالم الثالث مع نظريات نشوء الأمم في العالم الأول. يرى أن الفكر القومي في العالم الثالث وُجِدَ ليكون أداة تحررية ضد الاستعمار, لا أداة للتنمية الوطنية المستدامة, و ضرب الأمثلة على ذلك. إن ذلك يعني أن الدولة القومية في العالم الثالث تعتمد أنطولوجياً على وجود عدو خارجي كالاستعمار, و لا تستطيع تعبئة الجهود المحلية دون هكذا تصور, فبدون هذا العدو الذي يجمع الشعب, يغدو ربط الأفراد ببعضهم ضمن المجتمع أمراً لا يتم تحقيقه إلا بالقوة و القسر. و ليس فكر ساطع الحصري إلا مثالاً على هذا, فكرٌ استمر إلى يومنا المعاصر.

لم يتكلم طيبي عن الفكر الوطني أو القومي و حسب, بل كان يمشي أيضاً على خط تطور الفكر الإسلامي الحداثي, الذي ولد ليساجل الفكر الوطني العلماني. فاستعرض الكاتب أعمال رفاعة الطهطاوي, فالأفغاني, فمحمد عبده و رشيد رضا. و رأى أن الفكر الوطني الأوروبي قد أثّر بهؤلاء سواءاً عرفوا أم لم يعرفوا, فانبهار الطهطاوي برحلته الأولى إلى باريس و انكبابه على الترجمة و التعليم و التوفيق بين ما تعلمه في الغرب و الإسلام بعد عودته يعطي صورة على تلك الرحلة الأولى بين الغرب و الشرق, و محاولة لتكييف الدين مع الوطنية. أما الأفغاني اعتبر أن “الأمة الإسلامية” هي “أمّة” بالمفهوم القومي للكلمة في تفنيده للقائلين بأن “المسلمين ليسوا قوماً”. و دافع الأفغاني عن كونية الخلافة الإسلامية و اعتبارها فوق كل المكونات الأخرى لطالما كانت كل هذه المكونات تبوء بالإسلام, بل إن الإسلام يتعالى عن كل الـ”قوميات” باعتباره لا يفرق بين عربي أو أعجمي إلا بالتقوى, و يمكن لمن توافرت به شروط القيادية و التُقى و الإسلام أن يكون خليفة دون النظر إلى عرقه أو إثنيته أو لغته. هذا الفكر دفع السلطان عبد الحميد الثاني باجتذاب الأفغاني للدفاع عن “كونية الخلافة العثمانية” و التسويق للعثمانوية, إلا أن هذا التحالف باء بالفشل لاحقاً. و انتقلت راية الأفغاني إلى محمد عبده فساجل الأخير المستشرقين و تبع معلّمه, و نقل تعاليمه إلى رشيد رضا, الذي كان سلفياً, و الذي يعتبر الأب الروحي للإسلام السياسي. و قد ظل الإسلام السياسي بعد انهيار الخلافة العثمانية محيّداً عن السياسة حتى بدء تفكك الدولة القومية الذي نشهده اليوم.

بدأت شرعية الدولة العروبية تتفكك بعد الصدمة التي سبّبتها نكسة حزيران في ال67, و اكتشفت شعوب المنطقة مدى غوغائية ساستها العروبيين. يثني طيبي على المفكر صادق جلال العظم الليبرالي الميول في قدحه شرارة النقد اللاذع, إلا أنه يعترف بعدم كفايته. و أخذ الصوت الإسلامي يتصاعد كبديل عن القومجية العروبية. يرى طيبي أن الإسلامية حالة ما قبل وطنية, و لا يمكن لها النجاح باعتبارها لا تؤمن بالنظام الوطني الذي تُبنى عليه جميع العلاقات الدولية السياسية و التجارية اليوم. يضرب مثلاً إنكار الشيخ القرضاوي للوطنية باعتبارها “حلولاً مستوردة” لا تتناغم مع طبيعة مجتمعاتنا. و ذكر الناصرية و البعثية الصدّامية و الأسدية مثالاً عن الشرعية العربية الغوغائية المنهارة التي لا تعمل إلا بالقسر و القوة. يضمّن طيبي استنكاره لكلا هاتين المدرستين, و توصيته بنظام وطني ديمقراطي ليبرالي فرنسي النزعة.

هكذا ينتهي كتاب طيبي, الذي طبع آخر مرة سنة 1997, تاركاً لنا مساحة ذهنية متشائمة لاستنباء المستقبل. لا بد أننا نرى اليوم تحالفاً للمدرستين “السيئتين” اللتين تحدث عنهما طيبي, تحالف الإسلامية العروبية, كداعش و النصرة و غيرها, التي ترى بأحقية الخلافة للعرب القرشيين الأقحاح, و هو بحد ذاته أمر غريب على الإسلام كدين, و غريب على الفكرة الوطنية العلمانية للعروبة. إن هذه المفرزات هي النتيجة المنطقية لما كان الطغاة العرب يسوقونه على أنه “التفكير التجديدي”, فسوّقوا مثلاً لاسم عبد الرحمن الكواكبي, الذي قال بأحقية الخلافة إلى العرب على حساب الأتراك. و حاولوا دمج الإسلام بالعروبة منذ ساطع الحصري حتى اليوم. ما نشهده في 2017 هو دمج لكل العناصر الزينوفوبية و العرقية و العنصرية و الانغلاقية و الرجعية و الميتافيزيقية الموجودة على الساحة(الإسلامجية و القومجية العروبية), إنها نصر للقومجيين الغوغائيين الذين رعوا نمو هذه الأفكار, إنها نصر للجهل, للكسل, للتقاعس عن تقديم البديل المناسب… إنها كارثة.

لا يزال الكثيرون على قناعة بأن البديل الوحيد الموجود عن البعث هو الدولة الإسلاموية. و من يكره البعث, يراه “جنّة” أمام نار الإسلاميين. و يتناسى معظم من يريد جواباً أن هناك خياراً ثالثاً لا يحد معضلتنا بين هاتين الثنائيتين المقيتتين, و هو الفكر الوطني الديمقراطي المنفتح على جميع المكونات, الصارم بتقبله للآخر, و الصارم أيضاً—و هذه إضافة شرقية مني—بعدم تقبله لمن لا يتقبل العقد الديمقراطي. إنه خيارٌ صعبٌ بما أنه الوحيد الذي يحتاجنا أن نختاره عن رغبة حرة و إرادة مستقلة و تنازلٍ عن النمط الموروث الذي تلقنّاه من الطغاة. إنه خيار يتعبنا, يخدشنا, و يؤلمنا, و علينا إن أردنا إثبات حريتنا أن نتألم من أجل بلوغه.

(1) Tibi, B. (1997). Arab nationalism: a critical enquiry(3rd ed.) . London: Palgrave MacMillan.

(2) عصابية: من “العصبية” الإبن خلدونية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s