الدين و الثورة

sdfdf

أمين نور
الحوار المتمدن-العدد: 5418 – 2017 / 1 / 31 – 00:47
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=546630

في سبيل البحث عن أسس لنظرية ثورية, تحاول تلمّس أعماق الثورة بشكل عام, السورية منها بشكل خاص, يأتي هذا المقال متمنياً أن يكون كدعوة أولى من أجل العمل على هذا المشروع, النظرية الثورية, الصادرة من أقلام ثوارنا و المكتوبة بناءاً على فهم سياقنا المحلّي, لا النظرية الثورية الموردة من الخارج, و التي تناسب سياقاتٍ تاريخية مختلفة, دون تجاهل فائدتها و مقارباتها. لا زلنا يافعين و مبتدئين و عاطفيين في النظرية, و لكن قد نملك ما يكفي من الحكمة لنعرف أننا في بداية طريق الألف ميل. و لا يخفى أن الدين موضوع أساسيٌ في هذا النقاش, الدين الذي ولد هنا في الشرق الأوسط, و الذي يفني نفسه في الشرق الأوسط. فآثار الدين على الثورة كانت كبيرة, و لربما غيرت وجه الثورة كله, مما جعل الدين و رواد الثورة الأولى على عداوة مباشرة, حيث وجد الأخيرون في الدين ما شوه ثورتهم.

للدين مدلول إجتماعي مهم, هو المساحة—الوحيدة ربما—المسموح بها للمرء أن يمارس تعصبه. هو أيضاً حيث يجد المرء مساحة مشروعة ليمارس طقسيته و مازوخيته و رغبته في رؤية ما لا يُمَس, رؤية المتعالي و المطلق و المتخيل.. رؤية المقدس. و عندما تقتصر القداسة و التعصب على الدين فقط, فعندها سيفقد الأفراد القدرة على الاستقطاب الثوري, و سيفشلون في التعصب لثورتهم و الحفاظ عليها, و سيفشلون أيضاً في استيعاب المجتمع المتعالي المتخيل الذي يتجاوز أنوفهم: المجتمع الوطني, أو حتى المجتمع الإنساني المطلق كله. و كذا بالنسبة للطقسية, فتراهم يفشلون أيضاً في بناء طقسية ثورية في أدائهم, تمكنهم من دعم عقيدة ثورية حقيقية, فكل هذه المساحات الذهنية, ملأها الدين و احتكرها بالكامل.

الدين هو شريعة ثابتة, حالة من الثبات و التوطيد و التوازن الاجتماعي في حالة معينة. الثورة في المقابل هي حالة التغيير و الإنقلاب, إنها انفجار للتوازن الاجتماعي المختل. هنا تعارض أساسي بالتعريف بين الحالتين, و إنْ تَقَدَّمَ هذا التعارض, فسيؤدي إلى ارتباك و حيرة في المعنى الأنطولوجي و السيمائي للثورة, و يضع كل من ناصر الثورة في أزمة أنطولوجية وجودية كبرى.

الدين حالة متعالية عن الواقع, فوق إنسانوية, مما يجعلها بعيدة عن الممارسات الواقعية. إنه إبيستيمولوجيا ميتافيزيقية إن أردت, مليء بالنبوءات و قصص الغيبيات, شيء عن نهاية العالم, و شيء عن العلامات الكبرى و الصغرى للقيامة.. و غيرها.. و إن معتنقي هذه القصص في أيام الحرب, سينبشون في ألفي سنة و نيف كي يؤكدوا ما هم منحازون لتأكيده في سردية شبه أسطورية و ميثولوجية و لاعلمية, ولينهكوا أنفسهم و يبددوا طاقتهم الفكرية في البحث عما هو غير مجدٍ, هذا إن كانوا ناشطين و لم يكتفوا بالدعاء فقط كوسيلة لإسقاط النظام, فاكتفاء بعض الناس بالدعاء فقط جرح لن ينساه الثوار و السوريون أبداً. ما هكذا تُفعل الثورات. إن هذه الابيستيمولوجيا الميتافيزيقية, أي التفسير الغيبي, الجبري القدري, الماورائي للأحداث الثورية يودي إلى كوارث عظيمة, هذه العقلية هي عدو أطغى من الأنظمة المتسلطة, إنها الاستبداد على العقل, السكين في الظهر, و دائماً ما ينبه الثوار الحقيقيون إلى أن الثورة هي ثورة على الذات أولاً, هي تغيير للعقلية كلها و استبدالها بعقلية أوعى. و اليوم نحن بحاجة إلى هذه الثورة قبل أي وقتٍ مضى, ثورة على الابيستيمولوجيا الميتافيزيقية بكل تفرعاتها الدينية و غير الدينية—الروحانية الجديدة— و أظن أن البديل واضح: الإبيستيمولوجيا العلمية, الثورة المبنية على المنهجية الحديثة و النقد العلمي.

إن كان الدين اليوم باعتراف دعاته, بحالة “حرب”, تارة يدافع و تارة يهاجم, بحالة غير مستقرة من تحديد للثوابت و المبادئ, بحالة صد داخلية و خارجية, و اقتتال داخلي و خارجي و انقسام و تشتت, فليدعونا إذاً نبني وطناً أكبر منهم, ليضمهم, و ليقتتلوا تحته حتى يفنوا بعضهم إن أرادوا, لكن ليس من العدالة أن يقتتلوا و هم في موقع السلطة علينا, وهم يعلمون أنهم متخبطون منقسمون, فيقودونا إلى الهاوية معهم. هذا الإنفراد الغير براغماتي في السلطة, يضعنا نحن السوريون في سلوك غبي جداً. لا زالت آلية التفكير السياسي البعثي سائدة, أنه إن انهارت السلطة, انهار كلشيء معها, لا يوجد خطة (ب), أو نقطة آمنة ما نستطيع العودة إليها. من الضروري, بل من الواجب, أن يبني الأفراد لأنفسهم هوية علمانية قوية متماسكة حقيقية و متوازنة طوعاً, تستطيع الصمود أمام تحديات العصر, و تؤمّن نقطة عودة نستطيع أن نلجأ إليها في حال انهارت كل المؤسسات السلطوية. و ثورة اليوم, في سياق الربيع العربي و غيرها, يجب أن تؤمن هذه النقطة و هذه الهوية, بل هي سبب الثورة و هدفها الأهم. بالطبع, من السذاجة القول “ليدعونا نبني وطناً” ثم انتظارهم ليفسحوا الطريق لحضراتنا. كما هم سرقوا ثورتنا بالقوة و نجحوا في هذا, فلا أجد خياراً واقعياً سوى استرداد الثورة و الحفاظ عليها بالقوة, و كان خطؤنا المشؤوم أن تساهلنا مع الشذوذات الثورية من باب مراعاة الديمقراطية و الليبرالية و العاطفة, حتى تهلهلت الثورة حد التلاشي.

و لعل المشكلة الأكبر بين الثورة و الدين, هو أن انهيار المؤسسة الدينية, التي تملأ وظيفة مصدر الأخلاقيات و السلوك و التحفيز, يوعز انهيار الأخلاق و السلوكيات و الخطاب التحفيزي و الثوري. و فعلاً, بالكاد اليوم السوريون مهتمون باسم أيام الجمعة الثورية, بالكاد تُحرك خطابات أصحاب الذقون أحاسيسنا و ثوريتنا.. و من بين كلشيء, بالكاد ما يقوم به السوريون أخلاقيٌ اليوم, سوءاً اتجاه أنفسهم, أم اتجاه الإنسانية جمعاء. المؤسسة الدينية هذه, حبيسة أخلاقيات قديمة لم تعد تستطيع مواكبة النظريات الأخلاقية الجديدة, و الخطاب الديني محدود المخيلة و الإبداعية, و هكذا, يكون ذات قدرة تعبوية محدودة جداً, و لا عجب أن السوريون يهربون من سوريا—و من كل الدول العربية صراحة—ليرموا أنفسهم في البحار عوضاً عن انتظار الدولة الموعودة, فقد فشل الخطاب الديني بتعبئة هؤلاء, في وقت كان معظهم قد هتف بإسقاط النظام و شارك في الثورة الحقيقية سابقاً و تحمل كل آلامها. لقد أودى الخطاب الديني و مؤسسته بخسارة الحاضنة الشعبية للثورة خسارة تراجيدية, و من يعي أهمية هذا الأمر, يعي أيضاً كم عليه أن يحمل على المؤسسة الدينية لفعلتها الشنيعة هذه. فوق كل هذا, يتضارب الخطاب الديني بشكل واضح مع الخطاب الوطني, و من غير المنطقي أن نتوقع أن الخطاب الديني سيؤدي إلى الدولة الوطنية, و من غير المنطقي أيضاً, بل من غير الإنساني, أن نقف مكتوفي الأيدي. إن من واجب الثورة التخلص من كل ما يحد خطاباتها و أخلاقياتها و إبداعيتها, و يثبط حاضنتها, و يخصي التفكير النقدي فيها. إن اعتناق الثورة لدين ما هو حالة غير أخلاقية. الدين احتكار لأخلاقيات معينة متجمدة منذ آلاف السنين, بينما الثورة هي شريعة أخلاقية جديدة بحد ذاتها.

لم يعد بالامكان تجاهل التفسخ الأخلاقي الذي يوفره لنا الدين, و الذي يعيق تقدم الثورات. للدين ميول شمولية لا يمكن التفلت منها, مما يعيقه من التوافق مع أي ثورة تهدف إلى التعددية, و يضع الثورة التي تعتنقه مذهباً في مأزق أخلاقي كبير. أضف إلى الميول الطبيعية لتفرق المذاهب الدينية, و اقتتالها بين بعضها, و تفسيرها للأحداث الثورية بشكل مقتصر على الرؤية الطائفية و الميتافيزيقية. كل هذا يجعل الدين نقطة ضعف, لا نقطة قوة في الثورات, و كل ما يوفره الدين من رابطة و عصبة و مركزية للجماعة الثورية, لدينا بدائل أحدث و أفضل له اليوم.

و تأتي الثورة لتصحيح كل المعوقات و الأخطاء القديمة, و إن كان المجتمع في حالة تهافت تام, حيث كل مكوناته تمارس ممارسات خاطئة, فالثورة عندها تأتي لاجتثاث كل ما هو قديم. و الدين ليس استثناءاً. لا يمكن بناء أسس ثورية على كل ما هو سابق و قديم, فكل ما هو قديم معرّض ليكون ملوثاً بأيديولوجيا الديكتاتور, بل إن كل ما هو قديم, قد ساهم بشكل من الأشكال في المحافظة على الحالة الدكتاتورية و ساعد على تأقلمها و توازنها و تدرب الدكتاتور على مقارعتها. الأسس الثورية يجب أن تكون جديدة كليّاً, مولودة من جديد, و إلا لن نصل إلى ما نصبوه من الثورات, ستكون ثوراتنا أنصاف ثورات حتى و لو نجحت إسمياً.

إن الدين حالة غير وطنية, أو بالأحرى, ما قبل وطنية, و لم تحابي الوطنية يوماً إلا عندما قُسِرَت بالقوة. حيث كان الدين في السابق هو الحالة التي توحّد الأفراد في مجتمع ما, و في سياق الإنسانوية, الأشمل و الأعمّ من أي دين, وُلِدَت الوطنية—من رحم ثورات عنيفة— كخطوة أولى لتوحيد الجماعات الإنسانية و الخروج من قوقعة الدين و تجاوزه. و لا بد لهذه الأفكار العمومية أن تتعارض مع منافسها “الدين” بشكل ما, الذي يصور معتنقيه بخصوصية اصطفائية عن باقي البشر, و يعزز الطبقية بوجود النخبة المتدينة. لا يمكن لثورة أن تكون وطنية و متدينة في ذات الوقت, لا يمكن لثورة أن تنادي بالمساواة و التدين بذات الوقت. من الصعب أن يكون هناك رجل دين في ثورة وطنية. هكذا يقول التاريخ. رجل الدين يفتخر بولائه لا لإحد سوى الله, لا للوطن, لا للثورة, لا للمجتمع, لا للإنسانية, لا للذات حتى. إنه نتاج آلاف السنين من التلاعب الفكري و غسيل الدماغ. هنا واجب على الثوري مجابهة هذا الفكر, مجابهة الآلاف من السنين المظلمة, مجابهة كل من لا يخلص للفكر الإنساني ثم للوطني.

في سوريا, ما يسبب الخلل و التخبط في الرأي الثوري, هو التصارع بين الدين السعودي الخليجي, و الدين الإيراني, و إن أردتم الدين الإسرائيلي اليهودي, ليعطي طفلاً مشوّهاً هجيناً من أقبح أيديولوجيات عصرنا, فرانكشتاين العصر, الميت الحي القبيح, و هو الأزمة السورية. كم هو مُنتَظَرٌ ذلك اليوم الذي ينهض به الشعب أمام هذه الأديان, و يعي أنها هي ما تسبب تأخير نصره و عظم كربته و كثرة دمائه المسفوكة, ليبزق في وجهها جميعاً, و ينتصر لثورته الحقيقية, السوريّة, الكونية, الوطنية, الخالية من كل التشويهات الأيديولوجية القديمة و الخارجية و الدخيلة.

أتساءل في النهاية, هل هناك فرق في أن يكون المرء مرتزقاً لبابا الفاتكيان مع تسمية مبهرجة قليلاً “صليبي”؟ أم مرتزقاً للشيخ البدين الأبطر ذاك في الكويت مع تسمية مبهرجة “جهادي”؟.. على أية حال, من الجيد أنهم لم يسموا بيادقهم “ثواراً”, فالثوار هم آخر ما قد يكونوه.

التخلص من العقبات الدينية واجب لعصرنا, عصر الثورات, أو ما أتمنى أن يسمى “عصر الثورات”, و ذلك في سياق التخلص من كل العقبات التي تواجه تقدم الإنسان, و ليس الدين إلا عاملاً يشل الثورة. إن آخر ما تحتاجه البنية الفوقية للثورة الحديثة هو الدين.

لا حاجة اليوم إلى كلمة الله على الأرض كي نقتنع بأهمية العدالة, أو بوجوب الكفاح من أجل مستحقاتنا, أو أهمية العمل الدفاعي, أو تنظيم العمل الهجومي, أو توجيه الخروج في وجه المستبد.. علينا تجاوز الدين بالثورة, و على الثورة تجاوز الدين بنا.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s