حلب: نهاية حقوق الإنسان

untitled-1

حلب: نهاية حقوق الإنسان

أمين نور
الحوار المتمدن-العدد: 5390 – 2017 / 1 / 2 – 01:08
المحور: حقوق الانسان

لا أود النوح و التباكي بعد استعراض قصة حلبية عما حصل مؤخراً. على ما يبدو أن هذه القصص لم تعد تجدي, ولا تأثير معتبراً لها, فإما الناس قد ملّت, أو/و رفعت عتبة لا مبالاتها. أهدف من رثائي هذا أن يكون مختلفاً عن التراجيديا الروائية لأدبيات سقوط المدن السورية المحاصرة, أود فيه أن أتكلم عما يؤلمني أكثر من كل الدماء المسفوكة في سوريا, بل أكثر من كل الرصاصات العابرة أزيزاً بين الأبرياء.

الإنسانية في حالة انهيار أخلاقي بحت. و إن كان نيتشه قد أعلن موت الإله في أوروبا منذ قرن و نيف, فاليوم يترتب علينا إعلان موت حقوق الإنسان في الشرق الأوسط.

كم هو من الصعب أن يعتنق المرء منظومة أخلاقية بدون نظامٍ قانوني يحميه, بل نظام يعاديه و يهاجمه لأي بادرة أخلاقية تصدر عنه. نظام يجرّم المنقذين الإغاثيين, و يلاحقهم, و يعذبهم, و يقتلهم. و بغض النظر عن السياسة, أظن, و آمل ألا أكون فرداً شاذاً غريباً بأخلاقه, أن اصطياد المدنيين و المنقذين الإغاثيين, و اقتناصهم كما تُقتنص الأرنبة و الغزلان, لهو انحدار أخلاقي كبير و عظيم, و مبررٌ موقفي عندما أكره الصيّاد الجائر ذاك, بل عندما أحاول أن أجعل من قضية كرهي له قيمة أخلاقية و إنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

حزينٌ أنا عندما أدرك أن الحقوق ليست بقوانين, و أن “حقوق الإنسان”, التي من المفترض أن تكون الأمر الوحيد العالمي الشامل Universal, ليست بعالمية وليست بشاملة. يا لها من فظاعة في سوء استخدامنا لكلمة “حقوق”. ما فائدة حقوق الإنسان إن لم تنجح في الاختبار؟ ما فائدتها إن كانت لا تُستخدم؟ .. هذه ليست صرختي فقط, بل صرخات الناس في سيريبرانكا و حلب و بيروت..

قد تكون حقوق الإنسان إحدى الآمال القليلة لمن يعيش تحت وطأة الأنظمة الطاغية المُشَرَعَنة. و لأحدٍ مثلي على الأقل, فإن الأمل أثبت أنه أكبر عدو للتحرر و استحقاق الحقوق. تأثيره المعيق يولّد الفكر الخيالي في إدراك العالم, كلمة “حقوق” نفسها تولّد تفاؤلاً مفرطاً ساذجاً في عقلية المقموعين, ليخدرهم عن الواقعية و البراغماتية العملية, ليظنون, في أسوء الأحول, أن هناك كياناً أو جسداً أو مؤسسةً ما فوقهم ستتدخل لحمايتهم. و على عكس كلمة “قانون” و التي تتضمن تصريحاً محمياً من قبل حكومة ما, فكلمة “حق” تدل على تصريحٍ محميٍ من قبل لا أحد, لا شيء. الفكرة المُبتَدَعةُ هذه هي مثالية إنسانية ميتافيزيقية ولدت و بقيت في مخيلة مفكري القرن الثامن عشر.

ما هو محزن في حقوق الإنسان, أنها من المفروض أن تكون بسيطة جداً, أساسية جداً, بدائية جداً, و مع ذلك, لا يمكننا تحقيقها. لماذا ننعتها بالقول عنها حقوق “الإنسان” إن لم تكن عالمية و شاملة؟ لماذا لا نناديها حقوق “الفرنسيين”؟ أو حقوق “السويديين” و حسب؟.. ألا يوفر هذا الكثير من العناء و الآمال الكاذبة و الحقائق الزائفة لأولئك المنقوعين إلى الأبد في النزاعات اللامتناهية؟ إن كانت الاستحالة الإجرائية هي ما تمنع حقوق الإنسان عن التحقق, فلماذا العناء بها بالمقام الأول؟ فالتأثير الجانبي لاعتناق عقيدة حقوق الإنسان يكلّف طاقة و دماءاً عظيمة قد لا يُقدَرُ عليها.

للأسف, و عبثياً كفاية, حقوق الإنسان تعتمد على الإنسان, على كائن متفلت غير مردوع عن أي شيء, كائنٍ يرتكب الإجرام الجماعي بين الفينة و الأخرى, أو كما هو سائد أكثر اليوم, كائن جاهل و غير مسؤول—و هو ما لا يقل إجراماً بالنسبة لي— و لا يوقفه أو يوجهه سوى أملنا الميتافيزيقي بامتلاكه نظاماً أخلاقياً ما, كائنٌ محكومٌ بعوامل أيديولوجية و بيئية لا تحصى كلها تتنافس لكي تتحكم بقراره و سلوكه.

دعني أضرب مثالاً أوضح فيه أزمة اليوم الأخلاقية:

كيف يمكنك أن تقنع جلّاداً ينوي إعدام سجينه البريء بـ “حق العيش” للأخير؟ .. حقوق الإنسان ليس من المفروض لها أن تكون موجهة لأنجيلينا جولي و أمثالها, بل إلى هذا الجلاّد تحديداً, صدق أو لا تصدق, حقوق الإنسان تعتمد على أفعال هذا الجلّاد!

لنوسع المثال قليلاً, خلال إعدام سجيننا البريء, يجتمع حشدٌ من مناصري حقوق الإنسان لمشاهدة العملية, و أغلب هؤلاء هم ممن يتمتع بالقوة الكافية للتدخل و الحيال دون وقوع الإعدام, و لكن عجباً! لا يتدخل أحد, و يستمرون بالمشاهدة مذهولين, بل أحياناً يصفقون للجلّاد تشجيعاً و تحفيزاً للمرح و التسلية. في هذه اللحظة, ما فائدة حقوق الإنسان؟ أولا تجعل موت السجين البريء أكثر ألماً بما تحمله من أملٍ فارغٍ زائفٍ معذب؟

لنجعل المثال معضلياً أكثر, دعنا نتخيل حشداً آخر يدخل المشهد, هذه المرة, القادمون الجدد يصيحون مستهجنين عمل الجلاد, و لسبب أو لآخر, لعلها القرابة العائلية مثلاً, هم يقفون على صف السجين البريء, و مندفعون لإنقاذه بحماسة و شراسة, هناك, يقفون بجاهزية تامة بانتظار إشارة واحدة من السجين لكي يتدخلوا و ينقذوه. و لكن, من المعروف عن هؤلاء معاداتهم لحقوق الإنسان و تشكيكهم بها, مما يجعلهم على تعاكس تام سلوكياً و مبدأياً مع الحشد الآخر “الإنساني”. سجيننا البريء يطلق على نفسه لقب “إنساني” و يرى نفسه مناصراً لمبادئ حقوق الإنسان, فيشيح بنظره عن الحشد الجاهز لإنقاذه و ينظر مستجدياً إلى الحشد الـ”إنساني” البليد الذي يشاركه مبادئه, دون أن يتدخل الأخيرون لإنقاذه قط. في هذه الحالة, من هم أصحاب الأخلاق؟ من هم أكثر إنسانية؟ الإنسانويين البليدين المغيبين؟ أم معادي الإنسانوية النشيطين المؤثرين؟ إن كان هناك قدرة للحكم بهم موضوعياً, ألن يكون الإنسانويون البليدون مذنبين كالجلاد؟ ما هو الاختيار المناسب لسجيننا؟ كيف له أن ينقذ نفسه؟

أظن أنه من السهل إبداء الأدوار لشخصيات القصة, فالجلاد هو بشار الأسد( و حلفائه), و الإنسانويون هم مجتمعات العالم الأول, و المعادون للإنسانية هم داعش و أخواتها, و واضح أن السجين هو الشعب السوري.

لم يعد يبدو أن الأخلاقيات العلمانية قادرة على تعبئة الجهد الإنساني في هذا العالم, ما يحصل هو أسوء كابوس لكل إنسانوي علماني حقيقي: العامل الوحيد القادر على التأثير بالعمل الإنساني و التحرري هو التعبئة الدينية المتطرفة. حقوق الإنسان اليوم تعتمد على أكثر الأطراف معاداة للإنسان, سواءاً كانت هذه الأطراف داعشاً أم بشارأسداً. حقوق الإنسان الموجودة لضمان حق المظلوم, محكومة و مقبوض عليها بيد الظالم.

الأطراف العلمانية و اليسارية اليوم بحالة إخصاء و إزاحة نفسية هي الأسوء. هم لا يشاركون بحراك حقيقي جماعي مؤسساتي يملأ الساحة الإغاثية أو السياسية أو أياً كان, و يعتزلون النشاط و العمل, و ثم يتذمرون لاحقاً بأخذ الأطراف المتطرفة لمساحات واسعة من الحراك. بل لضعفهم باتوا يدفعون بنبوئتهم ذاتية التحقيق, فبعدما يقررون عدم المشاركة في الحراك تراهم يقولون “أنظروا! قلنا لكم, ثورة إسلامية متطرفة مختبئة..”.

الفشل الأخلاقي الذي أتحدث عنه هو إنساني على نطاق كوني, أي أنه جماعي و يشمل كل الأفراد في المعمورة. لا أغض النظر عن القصص البطولية الفردية لبعض الأفراد الذين صدح صوتهم لنصرة الحقوق و لربما ماتوا من أجل إنقاذ الآخرين. على الصعيد الفردي, هناك العديد من الأمثلة الجيدة لأشخاص قاموا بواجب عظيم اتجاه الإنسان. لكن على الصعيد المؤسساتي, فإن حقوق الإنسان مهزلة تامة. و حتى على الصعيد الفردي, فإن الأفراد الإنسانويين لا يبدو أنهم يوازون الكفة أمام الأفراد المتعصبين العنصريين الزينوفوبيين.

سنّ الحقوق يعني “الفعل” لا “عدم الفعل”, أي الممارسة الإيجابية و الفعالية و النشاط, لا السلبية و التغييب و التقاعس. التهليل, الصلاة و الدعاء, الإعجاب الفيسبوكي, و الريتويت التويتري, ليس ممارسة إيجابية نشطة أبداً, إنها لعنات و مصائب تؤرق الناشطين حول العالم, إذ يظن الناس أنهم بالدعاء و الريتويت قد أبلغوا دَيْنَهُم و أقاموا واجبهم. لا حاجة لنا بالدعاء و اللايكات الفيسبوكية. ما نحتاجه عرائض شعبية و حكومية, ضغطاً دولياً تفرضه الشعوب, مظاهرات عارمة تطوف بها شوارع المدن في العالم, و دعماً لوجستياً, و تضامناً اجتماعياً, و شراكة فكرية.

تتشارك حقوق الإنسان بنفس المشكلة مع الأخلاق الكانطية, إنها ليست فعّالة إلا عندما يطبّقها الجميع, و هذا فقط واحدٌ من متطلباتها. و بالرغم من أنني أقول عن نفسي “كانطياً”—و يا لسوء حظي في هذه الأيام—فإني أجد نفسي اليوم في موقع ميسأنثروبي misanthropic و ضد كانطي كالذي استعرضته في المقال أعلاه. يوماً عن يوم, يتعزز الرأي فيَّ أن الأخلاق الكانطية و حقوق الإنسان غير قابلة للتطبيق, أتجه يوماً بعد يوم للقول أنها مضيعة للوقت, و أنها مجرد تغزل بمخيلتنا الطوباوية, و احتفاءٌ فارغ بما أطلقنا عليه لربما تحويراً”إنسانويتنا” المميزة عن باقي المخلوقات, في حين أننا على أرض الواقع, يمكننا أن نكون أكثر وحشية من أكثر الحيوانات توحشاً. حقوق الإنسان تعتمد على الإنسان, و هذه هي مشكلتها. هذا لا يعني أنني—أو أننا— يجب أن أقع في فخ الأخلاق الدينية أيضاً.

يدور في خلدي هذه الفترة سؤال ينتقد الأخلاقية الكانطية, التي ألهمت بقوة مبادئ حقوق الإنسان.. هل يمكننا أن نقوم بأعمالٍ أخلاقية إن كنا وحيدين على جزيرة؟ هل يحق لي أن أقتل الحيوانات للتسلية على الجزيرة؟ و أن أجلس فاتراً كسولاً في مغارتي رافضاً ملاحقة الابتكار و التعلم و التفكر من العالم؟

ألا تؤدي الوحدة و العزلة إلى فشلنا بتعميم القانون كونياً؟ هذا نقدي للأخلاق التي أعتنقها, الأخلاق الكانطية, و أي ممارسة “إنسانوية” تعميمية اليوم, فأنا أرى أن الحاجة هي إلى منظومة أخلاقية غير-عاقبية قابلة للتطبيق دون تعميم كوني.

لن ينجع السوريون حقاً إلا إن ابتكروا منظومة أخلاقية جديدة, ليست لهم فقط, بل للعالم بأسره, فلسفة أخلاقية جديدة تتعامل مع تحديات اليوم و تملأ ما غفلت عنه بصيرة الأخلاقيين السابقين, و تراعي الوحدة و العزلة لإنسان الألفية الثانية. قد تكون هذه أكبر خدمة تاريخية يقدمها السوريون للعالم. و الثائر الحقيقي هو من يأخذ على عاتقه هذا الهم الإنساني الكبير. نحن بحاجة إلى فلسفة أخلاقية مبتكرة لا تزاوج بين القرار الأخلاقي و الحقوق, أو القرار الأخلاقي و القانون, أو القرار الأخلاقي و المعنى السيمائي للأشياء, أو القرار الأخلاقي و الجائزة/العقاب, أو القرار الأخلاقي و الحاجة للآخر. الحقوق و القانون و المعنى مبتورون من عالم اليوم, عالمنا على الأقل, إما إجرائياً بعدم القدرة على بلوغ و تغطية الجميع, أو بنيوياً بكونها مغلوطة و استبدادية أساساً, و مثلها الاعتمادية الأخلاقية و الهويوية على “الآخر”. أما العقاب, فلم يعد ينفع, و رفعنا عتبة عدم مبالاتنا بالعواقب. لنتخلص من مذهب المتعة, لا بشكل رُهابي كما يفعل التطرف الديني, بل بشكل معتدل يمكّننا من رؤية العواقب خارج تحوير أيديولوجيا الجائزة و العقاب للعقلية الإنسانية. و إن بدأنا المشروع, التنويري إسمياً, فالطريق مضنٍ و طويل, و يعج بعدمية يجب علينا التعلم عليها, بل سيكون أشبه بتنويرٍ ظلامي.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s